لا شيء يُضاهي تناول عصيدة ساخنة يتصاعد منها البخار لتهوّن علينا أيام الشتاء الباردة - وتعلمنا عن العلم!
تخيلوا وعاء يتصاعد منه البخار لعصيدة سميكة وساخنة في الصباحات الباردة من أيام الشتاء. منذ آلاف السنين، تم تعريف العصيدة، بأنواعها المتعددة، بأنها طعام دافئ وشبع، لا يتطلب الكثير من الجهد في تحضيره. فقط أضيفوا الماء أو الحليب واستمروا في الطهي - وبالطبع لا تنسوا التحريك من حين لآخر.
الشوفان هو نوع من الحبوب التي يعود أصلها على الأرجح إلى إيطاليا. يبدو أن الشوفان البري تم تدجينه في الأصل من قبل الصيادين وجامعي الثمار في العصر الحجري القديم، منذ حوالي 32000 سنة. لفترة طويلة، كان الشوفان يُعتبر الأخ غير المرغوب فيه للقمح والشعير، اللذين كانا ملوك الحبوب في المناخ الحار لمنطقة الهلال الخصيب. في مصر القديمة، لم يكن يُعتبر أكثر من مجرد عشبة ضارة، بينما كان الرومان يطعمونها لحيواناتهم في المزارع.
تحسنت مكانته عندما أدت فتوحات الإمبراطورية الرومانية في أوروبا الغربية إلى جلب الشوفان إلى الجزر البريطانية. هناك، في مناخ اسكتلندا البارد والرطب، ازدهرت زراعة الشوفان، وفي غضون بضع سنوات أصبحت طعامًا وطنيًا اسكتلنديًا. ومن هناك، انتشر الشوفان إلى مناطق أخرى حول العالم. وقد عزز التقدم في تقنيات الزراعة المتزايدة خلال القرن التاسع عشر مكانته بشكل أكبر. وقد أدت التحسينات الإضافية في طرق معالجة الأغذية طوال القرن العشرين إلى توسيع نطاق المنتجات المعتمدة على الحبوب المظلومة، واليوم، بالإضافة إلى الحبوب والدقيق المطحون، يمكن العثور على مجموعة متنوعة من مخبوزات الشوفان التجارية، الرقائق بل وحتى بدائل الحليب النباتية.
قبل أن نستوضح ما يقوله العلم عن خصائص الشوفان، دعونا نطبخ معًا عصيدة الشوفان الشتوية اللذيذة التي تدفئ المعدة والقلب.
ماذا نحتاج؟
2 ملاعق كبيرة من الزبدة غير المملحة أو زيت جوز الهند
2 كوب من الشوفان التقليدي (يسمى أيضًا الشوفان المعالج بالأسطوانات)
1 ½ كوب ماء
½ كوب حليب أو ماء
رشة سخية من الملح
رشة من القرفة المطحونة (اختيارية)
ماذا نفعل؟
ذوّبوا الزبدة في قدر متوسط الحجم على نار متوسطة. بمجرد ذوبان الزبدة، أضيفوا الشوفان وحركوا لمدة 4-6 دقائق حتى تبدأ الحبوب في التحول إلى اللون البني الذهبي.
صبوا الماء والحليب في القدر على دفعات صغيرة. أضيفوا الملح والقرفة. استمروا في الخلط حتى الحصول على خليط متجانس. استمروا في الطهي حتى يبدأ الخليط في الغليان.
ارفعوا الخليط عن النار ثم قوموا بتغطية القدر. اتركوا العصيدة لتبرد لمدة سبع دقائق.
افتحوا الغطاء وتحققوا من الخليط. تكون العصيدة جاهزة عندما يتبقى القليل جدًا من السائل المرئي.
يمكن حفظ بقايا العصيدة غير المأكولة في الثلاجة لمدة تصل إلى أربعة أيام.
تدفئ المعدة والقلب. عصيدة الشوفان | virtu studio, Shutterstock
والآن إلى العلم
يعد الشوفان أحد الحبوب الأكثر أهمية في تغذية الإنسان، إلى جانب القمح، الشعير والأرز. على الرغم من أنه يستخدم بشكل رئيسي كعلف، إلا أنّ بذوره الصالحة للأكل مغذية للغاية وتحظى بشعبية كبيرة أيضًا في أطباق وجبة الإفطار.
حب الشوفان مُحاط بقشرة خارجية صلبة وجافة، والتي تشكل حوالي 30 بالمائة من إجمالي وزنها الجاف. يحتوي بشكل أساسي على السليلوز والهيميسليلوز، مع كمية صغيرة من اللجنين. أثناء نمو الحبوب، توفر القشرة للحبة الحماية والدعم الهيكلي، وعندما تنضج الحبة، تتصلب ويجب إزالتها قبل الأكل أو المعالجة، لأنها غير صالحة للاستهلاك البشري.
تتكون الحبة نفسها من ثلاثة أجزاء رئيسية. تحتوي الطبقة الخارجية على النخالة، وهي المصدر الرئيسي للألياف الغذائية، الفيتامينات والمعادن. من تحتها توجد البذرة، التي تتكون من النشا الذي يوفر الطاقة المتاحة. الجزء الأخير هو البرعم، والذي سوف يتطور منه النبات البالغ. فهو يحتوي على كمية كبيرة من البروتين والدهون، بالإضافة إلى كمية صغيرة من النشا.
على عكس الأرز أو دقيق القمح، والتي يتم تسويقها في شكلين مختلفين - الدقيق الأبيض أو الأرز الأبيض ودقيق القمح الكامل أو الأرز الكامل أيضًا، فإنّ الشوفان هو ببساطة شوفان. كان الاختلاف يرجع إلى حقيقة أنه في حبوب الشوفان من المستحيل فصل النخالة، البذرة والبرعم بشكل كامل. في الحبوب الأخرى، توجد العديد من العناصر الغذائية المهمة في الطبقات الخارجية للحبة، والتي يتم إزالتها إلى حد كبير أثناء المعالجة. تحتوي حبة الشوفان على جميع أجزاء الحبوب، مما يمنحها ميزة غذائية واضحة.
النشا هو الكربوهيدرات الأكثر شيوعًا في طعامنا. في حبات الشوفان المتوسطة الحجم، بدون القشرة، يكون حوالي نصف كتلتها عبارة عن نشا. يتم تغليف النشا في خلايا النواة على شكل كرات صغيرة (حبيبات)، والتي تحتوي أيضًا على البروتينات والدهون والمعادن وغيرها. وهو يتألف من نوعين رئيسيين من السكريات المتعددة التي يتم بناؤها على شكل سلاسل طويلة من الجلوكوز أحادي السكاريد الشائع، والذي يزود خلايانا بالطاقة المتاحة. أحدهما هو الأميلوز - وهو عبارة عن سلسلة مستقيمة من وحدات الجلوكوز متراصة بكثافة إلى جانب سلاسل أخرى، والآخر هو الأميلوبكتين الأكثر تفرعًا. بسبب بنيته المتفرعة، يعتبر الأميلوبكتين أقل كثافة من الأميلوز وأكثر قابلية للذوبان.
الألياف الغذائية هي عبارة عن كربوهيدرات من أصل نباتي والتي لا يستطيع الجهاز الهضمي البشري تحليلها. لا يتم هضمها في الأمعاء الدقيقة، وعندما تصل إلى الأمعاء الغليظة، تقوم البكتيريا المعوية بهضم جزء منها ويتم إخراج الباقي في البراز. بعض الألياف الغذائية قابلة للذوبان في الماء والبعض الآخر لا. تشتمل الألياف غير القابلة للذوبان بشكل أساسي على السليلوز، اللجنين والهيميسليلوز، والتي تعمل على تحسين وظيفة الأمعاء. وتكمن ميزة الألياف القابلة للذوبان، مثل البكتين والبيتا جلوكان، في أنها تمتص الماء وتشكل نوعاً من الهلام(الجل) في الجهاز الهضمي. يعمل الجل على زيادة حجم الأمعاء، وبالتالي زيادة الشعور بالشبع.
يحتوي القمح الكامل والشوفان على نسبة عالية من الألياف. وفي كلا النوعين يصل وزن الألياف الغذائية إلى 11% من وزن الحبة، مقارنة بنحو 4% فقط في الأرز الكامل و7% في الذرة. حوالي 40 بالمائة من الألياف الغذائية الموجودة في الشوفان قابلة للذوبان، والباقي غير قابل للذوبان - وهي أعلى نسبة من الألياف القابلة للذوبان بين الحبوب. إن نجم الألياف القابلة للذوبان هو البيتا جلوكان، الذي يساعد على موازنة مستويات الكوليسترول والسكر في الدم عند تناوله.
تحتوي حبات الشوفان على كمية كبيرة من البروتين - 11-15 في المائة من وزنها مع القشرة أو ما يصل إلى 24.5 في المائة بدونها. علاوة على ذلك، تعتبر البروتينات الموجودة في الشوفان مفيدة بشكل خاص بسبب تركيبتها الفريدة من الأحماض الأمينية. وبما أن أيًا من هذه البروتينات لا يحتوي على الجلوتين، والذي يوجد بشكل رئيسي في القمح، فيمكن لمرضى الاضطرابات الهضمية عادةً استهلاك المنتجات التي تعتمد على بروتين الشوفان كبديل لدقيق القمح.
القيم الغذائية للشوفان | المصدر: USDA National Nutrient Datbase; Alter-ego, Shutterstock
مكونات إضافية
تفتقر الحبوب الكاملة عمومًا إلى الدهون. ويعتبر الشوفان استثنائيًا في هذا الصدد، حيث يصل محتوى الدهون فيه إلى 6-8 في المائة، مقارنةً بـ 2-3 في المائة فقط في الحبوب الأخرى. تحتوي الخلايا النباتية على إنزيم يسمى الليباز. عندما يتم إزالة القشرة من البذور، يتم إطلاق الإنزيم من الخلايا التالفة وقد يلحق ضررًا بجزيئات الدهون. لذلك، يجب طهي جميع أنواع الشوفان، من الحبوب الكاملة إلى الدقيق الناعم، على البخار لإتلاف الإنزيم، الذي يعتبر حساسًا للحرارة. هذا العلاج له فوائد أخرى: فهو يعطي الشوفان نكهة الجوز ويقتل البكتيريا والعفن التي قد تكون ضارة بصحتنا.
الفيتامينات هي مركبات عضوية أساسية يحتاجها جسمنا بكميات صغيرة، لكنه لا يستطيع عادة إنتاجها بمفرده. يحتوي الشوفان على فيتامينات ب، بما في ذلك الثيامين، الريبوفلافين، النياسين، البيريدوكسين، حمض الفوليك، والتي تلعب دورًا محوريًا في العمليات الخلوية لاستخدام الطاقة، تخليق الأحماض الأمينية، والعمليات الأنزيمية في الجسم.
وأخيرًا، المعادن هي مواد غير عضوية موجودة أيضا في الطعام الذي نتناوله. المعادن الكبرى هي المعادن التي يحتاجها جسم الإنسان بكميات سخية نسبيًا تصل إلى مائة مليجرام أو أكثر يوميًا - على سبيل المثال، أملاح الكالسيوم، المغنيسيوم، البوتاسيوم، الصوديوم، والمزيد. المعادن الدقيقة هي المواد التي نحتاجها بكميات أقل، مثل أملاح الحديد، الزنك، المنجنيز، وغيرها. تحتوي جميع الحبوب على معادن من كلا النوعين، لكن الشوفان غني بشكل خاص بالعديد منها.
أنواع الشوفان
تصل الحبوب إلى أطباق وجبة الإفطار لدينا بأشكال مختلفة تختلف في درجة معالجة الحبوب. القيم الغذائية لجميع الأنواع متشابهة إلى حد كبير، والفرق الرئيسي هو سرعة امتصاص السكريات التي تتكون من تحلل النشا أثناء الهضم، وبالتالي يختلف المؤشر الجلايسيمي أيضًا. كلما كانت النواة أقل معالجة، كلما استغرق هضمها وقتًا أطول وانخفض مؤشرها الجلايسمي.
على المستوى الذي تتم معالجته بأقل قدر ممكن، توجد حبوب الشوفان الكاملة - وهو اسم مضلل إلى حد ما، لأن الشوفان ليس له شكل منخل مثل دقيق القمح الأبيض. هذه هي حبات الحبوب الكاملة التي تم تنظيفها فقط وتم إزالة الأجزاء السائبة من الحبة. حبات الشوفان المقطعة هي نفس الحبات تقريبًا، بعد أن تم تقطيعها إلى قطع أصغر. يؤدي التقطيع إلى تقصير وقت الطهي.
تخضع حبوب الشوفان التقليدية أو المسطحة بالفعل لعملية معقدة، تبدأ بتبخير حبات الشوفان، ثم دحرجتها وسحقها بين بكرات فولاذية. يختلف سمك المنتج من مصنع إلى آخر، ولكن الطعم والتركيبة الغذائية هي نفسها. يتميز دقيق الشوفان السميك بملمس أكثر راحة للمضغ. بسبب المعالجة، يتحول جزء من النشا إلى هلام(جل)، لذلك أثناء الطهي، تمتص رقائق الشوفان الماء بسرعة وتطهى بسرعة كبيرة. يكون الطهي أسرع مع الشوفان السريع التحضير (Instant)، حيث يتم طهي الحبوب بالبخار لفترة أطول وتقطيعها إلى قطع ناعمة، بحيث يتم امتصاص الماء بسهولة شديدة.
الأخيران هما الدقيق والنخالة. في دقيق الشوفان، يتم طحن الحبوب إلى مسحوق يتم نخل الفتات الخشنة منه. كما ذكرنا، نخالة الشوفان هي الطبقة الخارجية من الحبوب، والتي تحتوي على معظم الألياف الغذائية.
في اتجاه عقارب الساعة من الأعلى: ساق الشوفان، الحبوب، الحبوب المطحونة ودقيق الشوفان. الشوفان بدرجات مختلفة من عمليات المعالجة | Maximilian Stock Ltd / Science Photo Library
وماذا عن المطبخ؟
يعرف عشاق العصيدة بيننا أنه ليس من السهل طهي العصيدة المثالية. قد يكون الخليط متكتلًا جدًا، سائلاً جدًا، سميكًا جدًا، أو ببساطة غير لذيذ. يمكن للعلم الذي يقف من وراء مكونات العصيدة إبداء نصيحة عن كيفية طهي العصيدة اللذيذة بالقوام المطلوب.
المكون الرئيسي في جميع أنواع العصيدة هو النشاء. عندما نخلط النشا مع الماء البارد، نحصل على خليط سائل عكر وأبيض اللون. يُطلق على هذا الخليط اسم المعلق (suspension)، وهو يعني جزيئات مادة صلبة (النشاء) موزعة في سائل (الماء). عندما يتم تسخين الخليط، تبدأ سلاسل النشا بالتحرك بسرعة، تتفتح وتتشتت في الماء (تذوب). نتيجة لذلك، تصبح العصيدة أكثر كثافة وتشكل خليطًا سميكًا حيث تعمل سلاسل النشويات الطويلة على تقييد حركة الماء.
تسمى هذه العملية بـ جلتنة النشا (Starch gelatinization); في الشوفان، تبدأ عملية الجلتنة عند درجة حرارة حوالي ستين درجة مئوية وما فوق، وتصل ذروتها عند حوالي 95 درجة. عندما يتم إعادة تبريد الخليط بعد الطهي، فإن سلاسل النشا تتباطأ وتترابط مع بعضها البعض، ويصبح الماء محاصرًا بينها ولا يستطيع التحرك بحرية، ويظل الخليط سميكًا إلى صلب. ومن ثم، إذا لم نقم بتسخين العصيدة بدرجة كافية للوصول إلى درجة الحرارة اللازمة للجلتنة، فسنحصل على خليط مبرغل/مُحبب وخفيف من الشوفان.
حتى لو حرصنا على تسخين العصيدة بشكل صحيح، يجب أن نتذكر أنّ عملية الجلتنة لا تتوقف فورًا عندما نطفئ النار على الموقد. قد تكون النتيجة عصيدة سميكة جدًا، لأنّ النشاء يستمر في امتصاص الماء. وتعتمد العملية أيضًا بطبيعة الحال على وقت الطهي. لذلك، يجب الحرص على تحريك الخليط حتى يصل إلى القوام المطلوب، من ثم إطفاء النار على الفور.
لا يتأثر سمك العصيدة بدرجة الحرارة فقط، بل أيضًا بنسبة كمية الشوفان بالمقارنة مع كمية السائل الذي أضفناه إليها. توصي معظم الوصفات بنسبة واحد إلى اثنين، أي أنّ كمية السائل يجب أن تكون ضعف كمية الشوفان.
يوفر لنا دقيق الشوفان مزيجًا من التنوع والبساطة في المطبخ. إنّ استخداماته المحتملة عديدة، من العصيدة إلى أحد مكونات المخبوزات أو كإضافة إلى الأطباق المالحة. بالإضافة إلى فوائدها الغذائية العديدة، فمن المستحسن أن تكون متوفرة وضرورية في المطبخ. صحة وعافية!