ممَّ يتكوّن زيت الطهي؟ ما هي الدهون المتحوّلة، والدهون المشبعة، وثلاثي الغليسريد والكوليسترول؟ وهل من الأفضل قلي القطايف بزيت الزيتون؟ رحلة دهنيّة عبر أسرار الزيوت

اكتسب زيت الزيتون رمزيّة كبيرة خلال التاريخ، وشكّل عنصرًا أساسيًّا في المطبخ العربيّ والإنسانيّ عمومًا، إضافة لاستعمالات أخرى وفّرها الزيت، انطلاقًا من خصائصه المميّزة والفريدة، منها استعماله كمادّة للاشتعال وإضاءة القناديل.
 

تاريخ الزيت بإيجاز

تكشف الدلائل الأثريّة عن إنتاج زيت الزيتون في البلاد منذ آلاف السنين. بدأ اليابانيّون والصينيّون في إنتاج الزيت من نبات فول الصويا قرابة سنة 2000م قبل الميلاد، بينما في المكسيك وأمريكا الشماليّة أنتجوا زيت الفول السوداني وبذور تَبّاع الشمس. من ناحية أخرى، ضَرب وطَحن الناس في إفريقية طَلع النخيل وحشوة جوز الهند، وغَلوا اللّبّ لتجميع الزيت المفصول عن الماء. ظهرت زيوتٌ أخرى في العصر الحديث مع التحسّن في تقنيّات الإنتاج، مثل زيت الذرة الّذي بدأ إنتاجه في الستينيّات من القرن الميلاديّ الماضي.

يتكوّن الزيت النباتيّ (المُستخلص من النباتات) بشكل أساسيّ من ثلاثي الغليسريد (Triglyceride) - وهو اسم قد يبدو مخيفًا ومضرًّا بالصحّة، لكنّه في الواقع يُشكِّل معظم الدهون الموجودة في جسم الإنسان، والحيوان والنبات. يلعب ثلاثي الغليسريد أيضًا دورًا مهمًّا في مجرى الدم وفي أماكن مختلفة.

فيما يلي مجموعة كبيرة من الموادّ، والاختلافات بينها هو ما يميّز أنواع الزيوت المختلفة. ولكن، قبل محاولة فهم ماهيّة هذه الاختلافات، سنُخرج الكوليسترول من هذه القائمة، وهو في الواقع دهن لكنّه موجودٌ في المنتجات الحيوانيّة فَحسب. لذلك، فإنَّ عرض أيّ ملصق على الزيت النباتيّ كمنتج "خالٍ من الكوليسترول" ليس سوى حيلة تسويقيّة؛ لأنَّ أيّ زيت نباتيّ، حتّى السمن النباتيّ (مارجرين)، لا يحوي الكوليسترول.

يتكوّن ثلاثي الغليسريد، وهو جزيء عضويّ أساسه الجليسرول، من ثلاث ذرّات كربون (C) ترتبط كلّ منها بمجموعة هيدروكسيل مكوّنة من الأوكسجين (O) والهيدروجين (H). يتمّ إرفاق حمض دهنيّ لكلّ هيدروكسيد (OH) في الجليسرول المكوّن من رأس كربوكسيل (COOH)، وذيل طويل من ذرّات الكربون، مرتبط بهيدروجين. تتركّب جميع الأحماض الدهنيّة من ذيل مكوّن من سلسلة ذرّات كربون. الذيول المختلفة هي الّتي تصنع الفرق بين الأحماض الدهنيّة المختلفة.


جزيء الجليسرول (من اليمين) والأحماض الدهنيّة (الرأس على الجانب الأيمن والذيل باتجاه اليسار) | رسم توضيحيّ: ماريا جوروخوفسكي
 

كما ذكرنا، عندما يرتبط هيدروكسيد (OH) في الجليسرول بحمض دهنيّ، نحصل على ثلاثي الغليسريد. الفرق بين نوعَي ثلاثي الغليسريد هو بنوع الأحماض الدهنيّة المرتبطة به. وسمات هذه السلاسل هي الّتي تحدّد نوع الدهون.


جزيء ثلاثي الغليسريد. الجليسرول (من اليمين) مرتبط بثلاثة أحماض دهنيّة | رسم توضيحيّ: ماريا جوروخوفسكي
 

الأحماض الدهنيّة المُشبَعة

تُعتبَر الأحماض الدهنيّة المشبعة جزيئًا مشبعًا بالهيدروجين. ترتبط ذرّتان من الهيدروجين بكلّ ذرّة كربون في الذيل، باستثناء الذرّة الأخيرة الّتي ترتبط بها ثلاث ذرّات. يمكن العثور على هذه الأحماض بكثرة في زيت النخيل، فعلى سبيل المثال، حمض البالميتيك (من كلمة palm: النخيل).


مثال على حمض دهنيّ مشبع. ترتبط بكلّ ذرّة كربون (ما عدا الأخيرة) ذرّتا هيدروجين | رسم توضيحيّ: ماريا جوروخوفسكي

للدهون المشبعة، أي لثلاثي الغليسريد ذي الذيول المشبعة، العديد من الخصائص المهمّة الأخرى. بسبب ذيولها المستقيمة، يسهل على الدهون المشبعة أن تتماسك معها في بنية كثيفة، لذلك عادةً ما تكون صلبة في درجة حرارة الغرفة. وللسبب نفسه، تُعتبَر أقلّ صحيّة من الدهون غير المشبعة؛ لأنّها قد تتراكم في الشرايين، وعندما تتفاعل مع الكوليسترول يمكن أن تتسبّب أيضًا بتراكمها في الأوعية الدمويّة. تتواجد الدهون المشبعة بشكلٍ رئيس في المنتجات الحيوانيّة، ولكن أيضًا في زيت جوز الهند وزيت النخيل.

 

الأحماض الدهنيّة غير المشبعة

الحمض الدهنيّ غير المشبع هو جزيء ذو ذيل، مع رباط واحد أو أكثر من الروابط المزدوجة بين ذرّات الكربون. تؤدّي هذه الرابطة المزدوجة إلى ربط ذرّتين من الكربون بذرّة واحدة من الهيدروجين بدلًا من اثنتين، لذلك فهي غير مشبعة بذرّات الهيدروجين. مثالٌ على ذلك حمض الأوليك (Oleic acid)، وهو المكوِّن الرئيس في زيت الزيتون.


مثال على حمض دهنيّ غير مشبع. ترتبط ذرّات الكربون على جانبي الرابطة المزدوجة بذرّة هيدروجين واحدة فقط | رسم توضيحيّ: ماريا جوروخوفسكي

معظم الدهون النباتيّة عبارة عن أحماض دهنيّة غير مشبعة. تتسبّب الرابطة المزدوجة في "كسر" الذيل، وبالتالي يُصعِّب إنشاء بنية مُنظّمة.مة لهذا السبب، تكون الزيوت النباتيّة غير المشبعة في حالة سائلة في درجة حرارة الغرفة.

بالإضافة إلى ذلك، تُعتبَر الدهون غير المشبعة صحيّة نسبيًّا. تُعتبَر أوميغا 3 وأوميغا 6 نوعَين من الدهون غير المشبعة الّتي يحتاجها الجسم ولكن لا يستطيع إنتاجها بمفرده؛ لذلك فهي تُسمّى الأحماض الدهنيّة الحيويّة.

تنقسم الدهون غير المشبعة أحيانًا إلى نوعَين: أحادي غير مشبع، ذيله يحوي رابطة مزدوجة واحدة، ودهون متعدّدة غير مشبعة يحوي ذيلها اثنين أو أكثر من الروابط المزدوجة.

 

الدهون المتحوّلة

تُعتبَر الدهون المتحوّلة "الولد الشرّير في المجموعة". والشيء المطمئن أنّها غير متواجدة في الزيت إطلاقًا ولا في الطبيعة أبدًا. كما يظهر، هذا أيضًا من أكبر المخاطر فيه، لأنَّ جسمنا لا يعرف كيف يتعامل مع هذا "الكائن الفضائيّ" الغريب.

تُعتبَر الأحماض المتحوّلة، أحد أنواع الدهون غير المشبعة الّتي خضعت لعمليّة هدرجة (Hydrogenation). ونتيجة لذلك، تتحوّل بعض الروابط المزدوجة إلى روابط مفردة، وتغيّر أخرى أشكالها لروابط مفروقة (trans)، وهو شكل معيّن من الروابط الكيميائيّة. من الناحية الهيكليّة، هذا يعني أنّه بدلًا من الذيل المكسور النموذجيّ للدهون غير المشبعة، فإنَّ الذيل "يستقيم"، على الرغم من الرابطة المزدوجة.


مثال على الأحماض المتحوّلة. الذيل مستقيم على الرغم من الرابطة المزدوجة، وبالتالي فإنَّ الدهون صلبة حتّى في درجة حرارة الغرفة | رسم توضيحيّ: ماريا جوروخوفسكي

يؤثّر التغيير بشكل كبير في خصائص الدهون ويجعلها صلبة في درجة حرارة الغرفة. هذا هو بالضبط سبب صلابة السمن النباتيّ (المارجرين). لهذا السبب، فهو يملك أيضًا جميع سلبيّات الدهون المشبعة. بالإضافة إلى ذلك، نظرًا لعدم وجود الدهون المتحوّلة في الطبيعة، فإنَّ أجسامنا لا تملك أدوات للتعامل معها وبالتالي فهي تُعتبَر خطيرة للغاية. في العديد من البلدان، بما في ذلك بلادنا، هناك قيود صارمة على استخدامها.

 

مسيرة الزيوت

والآن إلى السؤال المثير للاهتمام، ما هو الزيت النباتيّ الأكثر صحّة؟

لكلّ نوع من الزيوت، مزايا وعيوب. بعضها مناسب أكثر للقلي والبعض الآخر مناسب لتتبيل السلطة وللرشّ على الوجبات. لقد اخترتُ هنا شرح مزايا أفضل الزيوت، والتحذير من عيوب الزيوت الّتي من المفضّل تجنّبها.

الزيوت الصحّيّة

زيت الزيتون: زيت الزيتون له مزايا عديدة. إلى جانب الأحماض الدهنيّة، يحوي مركّبًا ُيُسمَّى متعدّد الفينول (Polyphenole) وهو مفيد للصحّة ولا تزال بعض مزاياه قيد البحث. والميزة الثانية، معظم الدهون الموجودة فيه دهون أحاديّة غير مشبعة، وهي دهون صحّيّة، ووفقًا للأبحاث، فإنّها تساعد في الحفاظ على مستويات منخفضة للكوليسترول.

العيب الرئيس في زيت الزيتون هو نقطة تدخينه المنخفضة، أي درجة الحرارة الّتي يتحلّل عندها ويبعث دخانًا. يتسبّب التسخين فوق نقطة التدخين في إطلاق الجذور الحرّة (free radical). بالإضافة إلى ذلك، في هذه الحالة، يتفكّك ثلاثي الغليسريد إلى أحماض دهنيّة حرّة ويفقد الزيت من قيمته الغذائيّة. هذا هو السبب في كون زيت الزيتون مناسبًا للقلي في درجة حرارة منخفضة (حتّى 190 درجة). إذا تمّ استخدامه للقلي العميق، فمن المهمّ للغاية التأكّد من أنَّ درجة الحرارة لا تتجاوز نقطة التدخين.

من المهمّ أيضًا إبداء تحفّظ بشأن الفقرة الأخيرة. تدّعي الدراسات الجديدة أنَّ القلي بزيت الزيتون هو في الواقع أكثر صحّة طالما لم يتمّ تسخينه بشكل مفرط. هناك ادّعاءات علميّة في كلا الاتجاهين، ومن الصعب تحديد ما إذا كان الخوف من القلي بزيت الزيتون له ما يبرّره أم أنّه خرافة ولا شيء أكثر من ذلك.

زيت الكانولا: يتميّز زيت الكانولا بالعديد من المزايا البارزة: يحوي الزيت المنتج من بذور اللفت نسبة أوميغا 3 أكثر من معظم الزيوت النباتيّة، ويتكوّن أساسًا من الدهون الأحاديّة غير المشبعة. بالإضافة إلى ذلك، فإنَّ نقطة تدخينه أعلى من نقطة تدخين زيت الزيتون (205 درجة)، لذا فهو ملائم أكثر للقلي في درجة حرارة عالية وهو شائع بشكل خاصّ في القلي العميق. اسم الكانولا هو اختصار لـ Canada Ola، أي الزيت الكنديّ (ووفقًا لرواية آخرى، فهو اختصار لـ Canada Oil ,Low Acid). صيغ الاسم من قبل مزارعي السلجم (بذور اللفت) في كندا- الشركة الرائدة عالميًّا في هذه الزراعة.

زيت بذور الكتّان: يحوي زيت بذور الكتّان كميّة كبيرة من أوميغا 3 ويُعتبَر صحّيًّا للغاية. يتكوّن بشكل أساسيّ من الدهون المتعدّدة غير المشبعة، والّتي تُعتبَر صحّيّة. ومع ذلك، فإنَّ نقطة تدخينها منخفضة وتتحلّل بسهولة، لذا فهي غير مخصَّصة للطهي. يجب حفظها في الثلاجة واستخدامها فقط للتتبيل في درجة حرارة منخفضة، على سبيل المثال: كصلصة للسلطة.
 

الزيوت غير الصحّيّة

زيت فول الصويا: يحتاج جسم الإنسان إلى توازن بين نوعين من الأحماض الدهنيّة: أوميغا 3 وأوميغا 6. بينما يصعب العثور على أوميغا 3 في المنتجات النباتيّة، وبشكل عامّ في الغذاء، فإنَّ أوميغا 6 متوفّر بكثرة. يحوي زيت فول الصويا الكثير من أوميغا 6، والاستهلاك المفرط له بدون توازن كافٍ مع الأوميغا 3 يمكن أن يكون ضارًّا بالصحّة. يُعتبَر زيت فول الصويا أيضًا رخيصًا جدًّا، لذلك عندما يُكتَب على قائمة مكوّنات منتج مُصنّع، "زيت نباتيّ"، عادةً ما يكون زيت فول الصويا ممزوجًا بأنواع أخرى.

زيت النخيل: يتواجد هذا الزيت أيضًا في العديد من المنتجات نظرًا لسعره المنخفض. لزيت النخيل مزايا عديدة، مثل مضادّات الأكسدة الّتي تُسمَّى بيتا كاروتين وأيضًا فيتامين هـ (vitamin E). المشكلة هي أنَّ النسخة المكرّرة والشائعة منه تحوي نسبة أقلّ من تلك الموادّ. المشكلة الكبيرة حقًّا هي أنَّ ما يقرب من 50 في المائة منها عبارة عن دهون مشبعة. لا ينصح بتناوله- مع الإشارة لوجود الكثير من الزيوت النباتيّة الجيّدة غير المشبعة في السوق.

في الحقيقة - يجب الاعتدال في كل شيء. لا ضرر في الزيت بحدّ ذاته، وأجسامنا بحاجة للدهون في نظامنا الغذائيّ. ومع ذلك، غالبًا ما تحوي الأطعمة الرمضانيّة، مثل القطايف، كميّاتٍ كبيرة جدًّا من الزيت، تتجاوز بكثير ما نحتاجه في نظام غذائيّ صحيّ. لذا علينا تناولها باعتدال، وبالأخصّ بعافية.

تمّت الترجمة بتصرّف

0 تعليقات