يُعتبر المُتغيّر دلتا لفيروس كورونا معديًا أكثر من سابقيه، لذلك هناك المزيد من الإصابات لدى المتطعمين، وخاصّة أولئك الذين يعانون من أمراض خلفيّة. لماذا يحدث هذا ولماذا أصبح الحصول على اللقاح أهمّ من ذي قبل؟

الجواب المختصر هو: نعم. يمكن للمتطعّمين أيضًا الإصابة بالكورونا، وقد ينقلون العدوى أيضًا. قد يبدو الموضوع مركبًا والإجابة عليه كذلك. هذا المقال يتطرّق فقط للقاح الـمُصنع بتقنية الmRNA من شركة "فايزر" المُستخدم في إسرائيل. 

هل يمكن للمُطعّمين الإصابة بالعدوى؟ 

بعد شهرين من بدء حملة التطعيمات الإسرائيليّة ضدّ فيروس كورونا، أبلغنا هنا عن نتائج مشجّعة للغاية. قاد ران بليتزر من صندوق المرضى "كلاليت" بحثًا كبيرًا جدًّا والذي تمّ نشره في مجلة  New England journal of Medicine، حيث تضمّن 600 ألفًا من المُطعّمين مقابل 600 ألفًا غير مطعّمين. أظهرت الدراسة أنّ فاعليّة اللقاحات في منع العدوى، الأعراض أو الإصابة بمرض صعب تتراوح بين 92-94 في المائة. في بحث أُجري على عاملين في النظام الصحيّ في أحد المستشفيات الموجودة في مركز البلاد، أظهرت النتائج أنَّ 19 من أصل 5500 حاصل على التطعيم (أي بنسبة 0.3 في المائة) أصيبوا بالعدوى لكن بدون أعراض، ثمانية فقط تلقّوا العدوى مصحوبة بأعراض (أي بنسبة 0.14 في المائة). بالمقابل، من بين حوالي 700 شخص غير مُطعّم، 17 شخصًا لم تظهر عليهم أعراض(نسبتهم 2.4 في المائة) و38 شخصًا ظهرت عليهم أعراض (نسبتهم 5.4 في المائة). تُظهر النتائج أنّ المُطعّمين محميّون ثماني مرات أكثر من الإصابة بالعدوى ومن مرض دون أعراض مقارنة بغير المُطعمين و40 ضعفًا أكثر من عدم الإصابة بمرض مع أعراض. مع أخذ بعين الاعتبار أنَّ الحماية ليست 100 في المائة.    

بالإضافة إلى ذلك، في رسالة إلى محرّر المجلة، أضاف بليتزر وزملاؤه بأنَّ اللقاحات لدى أشخاص يعانون من 3 أمراض من خلفيّة صعبة أو أكثر وأيضًا لدى مرضى يعانون من السكّريّ، زيادة في ضغط الدم، أمراض القلب وأمراض الكلى، هي أقلّ فاعليّة (بنسبة 80-85 في المائة) من حيث قدرتها على منع نقل العدوى أو ظهور الأعراض أو التفاقم إلى مرض خطير. أظهرت دراسات أخرى أنّ المرضى الذين يعانون من أمراض معيّنة يستجيبون للتطعيم بشكل مغاير. على سبيل المثال: فقط حوالي ثلث من متلقّي زراعة الكلى في إسرائيل نجحوا في تطوير أجسامًا مضادّة بعد تلقّي اللقاح. حوالي نصف متلقّي زراعة الكبد لم يطوّروا أجسامًا مضادّة ونتيجة مماثلة ظهرت لدى متلقّي زراعة القلب. مع ذلك، أظهر بحثٌ آخر، أُجريَّ على متلقي زراعة القلب نتائجًا أكثر خطورة، حيث فقط 18% من متلقّي الزرع نجحوا في تطوير أجسامًا مضادّة. من بين مرضى ابيضاض الدَّم (اللوكيميا)، نجح بين 55-80% من الحاصلين على اللقاح في فترات ما بين العلاجات في تطوير أجسامًا مضادّة، ولكن فقط 16 في المائة من الحاصلين على اللقاح أثناء فترات العلاج نجحوا في تطوير أجسامًا مضادّة. حوالي 90 في المائة من بين مرضى أنواع السرطان الأخرى (الأمعاء الغليظة، رئتين، المخ وغيره) طوّروا أجسامًا مضادّة. لم ينجح مرضى التصلّب المتعدّد المُعالجون بأدوية من صنف أوكرليزوماب Ocrelizumab وفينغوليمود Fingolimod في تطوير أجسامًا مضادّة تقريبًا بعد تلقّي التطعيم، مقارنةً بالمرضى الذين تعالجوا بواسطة دواء كالديريبين Cladribine. تُظهر هذه الأبحاث، وغيرها أنّ اللقاح لا يقدّم حماية بنسبة 100 في المائة من العدوى، وأنَّ نسبة لا بأس بها من المصابين بأمراض خلفيّة معيّنة يطوّرون ردّ فعل مناعيّ ضعيفًا بعد تلقّي اللقاح، لذلك هم ما يزالون معرّضين لخطر العدوى والمرض حتى.

خليّة لمفاويّة بائيّة (اللون الأحمر) تُجنِّد خلايا تائيّة مُساعدة (اللون الفَيّرُوزيّ) لمواجهة فيروس كورونا (أعلى الصورة) |  الرسم التوضيحيّ: ANATOMIC GROOVE / SCIENCE PHOTO LIBRARY
أمراض عديدة قد تؤثّر على الاستجابة المناعيّة: خليّة لمفاويّة بائيّة (اللون الأحمر) تُجنِّد خلايا تائيّة مُساعدة (اللون الفَيّرُوزيّ) لمواجهة فيروس كورونا (أعلى الصورة) |  الرسم التوضيحيّ: ANATOMIC GROOVE / SCIENCE PHOTO LIBRARY

مناعة القطيع

لقد بيّن لنا الواقع أنّهُ عندما يتمّ تطعيم نسبة كبيرة من السكّان فإنّ تأثير مناعة القطيع تحمي غير المطعّمين أيضًا. أظهر بحثٌ أجراه روعي كيشوني من التخنيون، والذي تمّ نشره في مجلة Nature Medicine، أنّ كلما ارتفعت نسبة الحاصلين على التطعيم زادت الحماية على مستوى عامّة السكّان.  قارن البحث مستويات التطعيم وحالات الإصابة لدى 177 مجموعة سكّانيّة في البلاد. وجد الباحثون أنَّ مقابل كلّ ازدياد بنسبة 20 في المائة في مستوى التطعيم في إحدى المجموعات السكّانيّة، حصل انخفاض بنسبة 50 في المائة من حالات الإصابة لدى غير المُطعّمين. من المحتمل أن تشمل الحماية أيضًا مُطعّمين لم يطوّروا استجابة مناعيّة كافية. اعتبارًا من شهر حزيران 2021، حوالي 60 في المائة من السكّان في إسرائيل حصلوا على التطعيم أو معافين من الإصابة بفيروس كورونا، وهذا كان كافيًا للحماية من فيروس كورونا الأصليّ ومن المتغيّر ألفا (المعروف باسم "المتغيّر البريطاني"). مع ذلك، ظهور متغيّرات جديدة ومعدية أكثر تُضعف من مناعة القطيع.

مُتغيّرات 

الحماية التي يوفّرها التطعيم مرتبطة: بطول فترة تعرّض الفرد لشخصٍ مريض، على سبيل المثال - دقائق معدودة في سوقٍ مركزيّ (سوبرماركت) مقارنة بالتواجد ساعاتٍ معًا على متن طائرة؛ بمستوى التعرّض، على سبيل المثال - مكان مغلق وبدون تهوية مقارنة بمكان مفتوح، باستعمال الكمامة؛ وأيضًا مرتبط بالمتغيّر الفيروسيّ ذاته. ظهور متغيّرات جديدة هي جزء لا يتجزأ من الأوبئة. كلّما زاد عدد المصابين بالعدوى والمرضى في العالم، زادت احتمالات ظهور متغيّرات أكثر عدوى وأكثر عنفًا، أو أقلّ ملاءَمةً للقاحات. وجبت الإشارة أنَّ حملة التطعيمات لا تؤدّي إلى ظهور متغيّرات مُقاومة للقاح، لأنّ اللقاحات تُقلّل من عدد المصابين بالعدوى ومن عدد الفيروسات التي تتشكّل في خلايا المصابين بالفيروس قبل قيام جهاز المناعة في القضاء عليهم.    

أظهرت دراسة قام بها موطي جيرلتس من جامعة تل أبيب أنَّ اللقاحات ناجعة في تقليل الإصابة بالمرض الناتج عن الإصابة بالمتغيّر ألفا. هذا المتغيّر هو أكثر عدوى من المتغيّر الأصليّ، لكن يظهر أنّ اللقاحات ذات فاعليّة كبيرة ضدّه أيضًا، وكما أنَّ مناعة القطيع التي تمّ الوصول إليها، كانت كافية للحماية منه أيضًا. ومع ذلك، في بحث أجرته عدي شطيرن من جامعة تل أبيب، بالشراكة مع صندوق المرضى "كلاليت" والذي تم نشره في مجلة Nature Medicine، وجدت أنَّ الحماية التي يوفرها اللقاح مقابل المتغيّر بيتا (المعروف باسم "المتغيّر الجنوب أفريقي") هي أقلّ فاعليّة، حيث تمّ اكتشاف حالات إصابة كثيرة، وأكثر من المتوقع بهذا المتغيّر. كما يُشير البحث أنّ "الفرص السانحة" للفيروس ضئيلة نسبيًّا، وأنَّ غالبيّة الإصابات بالمتغيّر بيتا قد حصلت في الفترة الزمنيّة بين أسبوع حتّى أسبوعين بعد تلقي الوجبة الثانية من اللقاح. مع ذلك، يدور الحديث عن عدد  قليل من الحالات وهناك حاجة للقيام ببحث إضافيّ.  

أشار البحث الذي أجرته شطيرن وزملاؤها على المشكلة التي تخشى منها وزارة الصحة، أي ظهور متغيّر جديد يكون اللقاح أقلّ فاعليّةً ضدّه، كما يبدو فأنَّ المتغيّر بيتا مُعديّ بذات مستوى المتغيّر ألفا وأقلّ حتّى. ومع ذلك، المُتغيّر دلتا ("المتغيّر الهنديّ") يُعدي بنسبة 60 في المائة أكثر من المتغيّر ألفا. تُظهر أبحاث أوّليّة أنَّ اللقاحات أقلّ فاعليّة ضدّ المتغيّر دلتا (فاعليّة بنسبة 88 في المائة، مقارنة بحوالي 94 في المائة ضدّ متغيّر ألفا). بالرغم من ذلك، يبدو حاليًّا أنّ اللقاحات ما زالت فعّالة من ناحية قدرتها على منع الاستشفاء (حوالي 95 في المائة) - الهدف الأساسيّ لتطوير اللقاحات. التفشّي الأساسيّ هو بين غير المُطعمين (الأطفال وشريحة الشباب التي لم يتمّ تطعيمها بعد) وقليلًا أيضًا في أوساط المُطعّمين.    

خلال تقرير تمّ نشره على قناة التلفزيون N12، صرحت جاليا رهاف بأنّهُ كلّما زادت عدد الإصابات، زاد احتمال وجود حاصلين على اللقاح من بينهم. في الوقت ذاته، غالبية المُطعّمين يعانون من مرض عديم الأعراض، أو مع أعراض خفيفة فقط. إنَّ الدمج بين نسب عدوى مرتفعة من جهة، وحماية أقلّ فاعليّة للقاح من جهة أخرى، يؤدّي لموجة انتشار فيروس كورونا التي ظهرت في الشهر الأخير، أي انخفاض مناعة القطيع. الحلّ هو زيادة نسبة التطعيم بين السكّان، حيث تُشير التقديرات المتعلّقة بالمتغيّر دلتا، أنّه يتوجّب زيادة نسبة التطعيمات من 60 في المائة إلى 80 في المائة من مجمل السكّان. 

الاستعدادات لحملة التطعيمات في مومباي، الهند | تصوير: Manoej Paateel, Shutterstock
متغيّر دلتا، تمّ اكتشافه في الهند، أكثر عدوى بنسبة 60 في المائة. الاستعدادات لحملة التطعيمات في مومباي، الهند | تصوير: Manoej Paateel, Shutterstock

هل يمكن للمُطعّمون نقل العدوى؟

الإجابة على هذا السؤال هي "كما يبدو نعم!"، لكنّ المعلومات المتوفّرة بهذا الشأن ما زالت غير مؤكّدة رسميًّا. على سبيل المثال، تمّ الإبلاغ مؤخّرًا على أنّ والدًا حاصلًا على التطعيم أُصيبَ بفيروس كورونا ونقل العدوى لأولاده الاثنين. مع ذلك، لم يتمّ نشر تفاصيل الحالة العينيّة، وهناك أسئلة مهمّة لم تُقدَّم لها الإجابات حتى الآن. على سبيل المثال، هل عانى الأب من أمراض خلفيّة أضعفت من فاعليّة اللقاح؟ هل رافق مرض الأب أعراض جانبيّة؟ في كل الأحوال، من الصعب تحديد إحصائيّة عامّة بناءً على حالات فرديّة، وهناك حاجة للقيام بأبحاث شاملة قادرة على الإجابة على هذه الأسئلة وأسئلة أخرى أيضًا. 

وجد بحثٌ قام به "روعي كيشوني" من التخنيون، والذي تمّ نشره في شهر آذار، في مجلة Nature Medicine، أنَّ لدى المُطعّمين الذين أُصيبوا بالعدوى بالفيروس حملًا فيروسيًّا (Viral load) أقلّ مقارنة بغير المُطعّمين. بالمقابل، فإنَّ حقيقة كون معظم المُطعّمين الذين أُصيبوا بالفيروس بدون أعراض وقد لا يعلمون أنّهم مصابون تُساهم في نشر العدوى أكثر، أي أنّهم عديمو الأعراض ومُعديين

عاملة في مستشفى في مدينة سالونيك- اليونان، تتلقّى التطعيم ضدّ فيروس كورونا | تصوير: Ververidis Vasilis, Shutterstock
ما يزال اللقاح يوفّر حماية جيّدة جدًّا، حتّى وإنّ لم تكن مطلقة. عاملة في مستشفى في مدينة سالونيك - اليونان، تتلقّى التطعيم ضدّ فيروس كورونا | تصوير: Ververidis Vasilis, Shutterstock

للتلخيص

الحاصلون على التطعيم ضدّ فيروس كورونا آمنون للغاية من إمكانية الإصابة بالعدوى، لكن ليس بنسبة 100 في المائة. المُطعّمون يمكنهم تلقّي العدوى، خاصّة عند التعرّض لمريض كورونا لفترة طويلة وفي منطقة مغلقة، عديمة التهوية وبدون كمامة. الأمراض الخلفيّة تُقلّل من فاعليّة اللقاح، لذلك على هؤلاء المرضى الحذر بشكل مضاعف. من المحتمل أيضًا، أن ينقل المصابون المُطعمون العدوى إلى آخرين متواجدين في محيطهم، لكن هذا الموضوع ما زال قيد الفحص. من منطلق الحرص، على المُطعّم الذي أُصيب بالعدوى البقاء في العزل وفق تعليمات وزارة الصحّة.

الحلّ الأفضل لتقليل عدد الإصابات في البلاد هو توسيع مناعة القطيع، أيّ رفع نسبة الحاصلين على اللقاح بين السكّان. كلّما زاد عدد الناس المُطعّمين، قلّت قدرة الفيروس - بغض النظر عن نوع المتغيّر - على الانتشار بين السكّان وإصابة المُطعّمين وغير المُطعّمين. وإذا أضفنا على ذلك المحافظة على لبس الكمامات في الأماكن المغلقة، وتجنّبنا السفر الى دول ذات معدّلات إصابة مرتفعة، نستطيع تقليل عدد الإصابات في البلاد والعودة إلى مناعة القطيع مجدّدًا.

0 تعليقات