تقنية كيميائيّة جديدة تعمل على تحليل الأقمشة إلى جزيئات قابلة لإعادة الاستخدام، فتحوّل الملابس القديمة إلى إمكانيات جديدة

طالما كانت إعادة التّدوير تتصدّر العناوين الرّئيسيّة لسنوات عديدة. عدد غير قليل من الإسرائيليّين بدأوا بفصل النّفايات بكفاءة واستخدام الحاويات الخضراء والبرتقاليّة والأرجوانيّة والزّرقاء الموزّعة في جميع أنحاء البلاد. يعلم الجميع أين يجب رَمي علبة رقائق الذّرة، وما هي النّفايات الّتي يجب أن تُوضَع في سلّة المهملات البرتقاليّة، ولكن صناديق إعادة تدوير الأقمشة هي أقلّ شيوعًا. هل عمليّة إعادة تدوير الأقمشة فعّالة؟

يتزايد عدد سكّان العالم، وترتفع أيضًا نسبة الطّبقة المتوسّطة، وهكذا تنمو أيضًا صناعة الأزياء العالميّة وجبال النّفايات الّتي تنتجها. يتمّ شراء الكثير من الملابس كقطع أزياء فقط، ثمّ يتمّ التّخلّص منها بعد بضعة أشهر أو عدّة سنوات. اليوم، يتمّ إعادة تدوير أقلّ من واحدٍ في المئة من المنسوجات وتحويلها إلى ملابس جديدة، وتنتهي معظم الملابس المستعملة في محارق النّفايات أو مكبّات النّفايات. على هذا تترتّب عواقب بيئيّة كبيرة: أكثر من ثلث الموادّ البلاستيكيّة الدّقيقة الّتي تصل إلى البحر مصدرها المنسوجات، وتغرَق مكبّات النّفايات بما يقرب من 92 مليون طنّ من المنسوجات سنويًّا. إنّ صناعة الأزياء تستهلك أيضًا كمّيّات هائلة من المياه والطّاقة، وتنبعث عند صناعتها غازات مُسبّبة للاحتباس الحراريّ وموادّ كيميائية ملوِّثة بمعدّلات عالية.


تنضمّ وحدات فرعيّة متعدّدة إلى سلسلة طويلة لتشكيل البوليمر. الصّيغة الكيميائيّة والنّموذج الجزيئيّ لمونومر بولي إيثيلين تيريفثالات (PET) | المصدر: Bacsica, Shutterstock

إعادة التدوير في أيّامنا

تُصنع الأقمشة من خيوط منسوجة معًا لتصبح رقعة متّصلة. يتكوّن كلّ خيط من العديد من الألياف الاصطناعيّة أو الطّبيعيّة من النّوع نفسه، أو من مزيج من عدّة أنواع. الألياف - البوليستر، والقطن، والإسباندكس (الليكرا)، والنّايلون، وغيرها - مصنوعة من جزيئات طويلة تُسمّى البوليمرات. "بولي" في اللّغة اليونانيّة تعني الكثير، و"مير" تعني وحدة (الوحدات الكثيرة). يُعدّ البوليستر أحد البوليمرات الاصطناعيّة الأكثر شيوعًا، ويُستخدم في العديد من الصّناعات، وخاصّةً في صناعة الأزياء. البوليستر عبارة عن بوليمرات تتكوّن من وحدات فرعيّة (مونومرات) مرتبطة ببعضها البعض بواسطة رابطة إسترية - رابط الأكسجين المرتبط بكربون يرتبط به أكسجين آخر في رابط تساهميّ (كوفلنتي) مزدوج - ومن هنا جاء اسم البوليستر.

يُعدّ البولي إيثيلين تيريفثالات (PET) أكثر أنواع البوليستر شيوعًا، إذ إنّ 54 بالمئة من الألياف المنتجة في العالم تُصنع منه. في صناعات الملابس، يتمّ استخدامه، من بين أمور أخرى، لإنتاج الملابس الّتي تمتصّ العرق مثل Dri-FIT، وفي صناعات أخرى، يُعدّ مادّة خامّ للزّجاجات البلاستيكيّة، ومنتجات تغليف الموادّ الغذائيّة.

في طرق إعادة التّدوير التّقليديّة، الّتي تنطوي على فصل النّفايات إلى موادّ خام، من الصّعب فصل المنسوجات، وخاصّة المنتجات المصنوعة من ألياف مختلطة. غالبًا ما تكون تقنيّات المعالجة الميكانيكيّة المعياريّة ضارّة بالنّسيج، وتؤدّي إلى إنتاج موادّ ذات جودة رديئة، ممّا يحدّ من إمكانيّة إعادة استخدامها. ومن هنا يظهر أنّه توجد حاجة ماسّة إلى أساليب مبتكرة لإعادة تدوير المنسوجات.


مزيج من الألياف الطّبيعيّة والاصطناعيّة، القطن (أخضر) والبوليستر (برتقاليّ). نسيج بولي قطني مكبّر تحت المجهر | المصدر: Power And Syred / Science Photo Library

هكذا نعمل على المزيد من القماش

قدّمت دراسة رائدة نُشرت في مجلّة Science Advances تقنيّة معالجة كيميائيّة يمكنها تحليل الأقمشة إلى جزيئات قابلة لإعادة الاستخدام، بغضّ النّظر عن تركيبة الموادّ المصنوعة منها الأقمشة. قد تؤدّي هذه التّقنيّة إلى إحداث ثورة في إعادة تدوير المنسوجات، وتوفير حلّ لأزمة النّفايات الّتي تسبّبها صناعة الأزياء. يعتمد التّفاعل الكيميائيّ الّذي طوّره الباحثون على إشعاع الميكروويف ومحفّز شائع، ومفكّك بوليمرات اصطناعيّة إلى لَبِنات بناء قابلة لإعادة الاستخدام.

اِختبر الباحثون التّفاعل على تركيبات مختلفة من الأقمشة، على سبيل المثال أقمشة مكوّنة من مئة في المئة من البوليستر، وأقمشة البولي قطن - 50 في المئة من القطن و 50 في المئة من البوليستر - وعلى تركيبات مختلطة مع بوليمرات اصطناعيّة أخرى، منها النّايلون (البولي أميد) والإسباندكس، واختبروه حتّى على قطعة نسيج ذات تركيبة غير معروفة. تمّ تحويل 90 بالمئة من البوليستر الموجود في أقمشة البوليستر إلى وحداته الفرعيّة المكوِّنة له، وهي جزيئات يمكن إعادة تدويرها مباشرة، واستخدامها لإنشاء منسوجات جديدة أو منتجات بوليستر أخرى. في الأقمشة المختلطة، تمكّن الباحثون من تفكيك البوليستر والإسباندكس والحفاظ على سلامة ألياف القطن والنّايلون، بحيث لا تتأثّر جودتها، ويكون بالإمكان استخدامها مرّة أخرى. ومع ذلك، في الملابس المصنوعة من البوليستر المصبوغة، والملابس المصنوعة من البوليستر الّتي توفّر مقاومة للأشعّة فوق البنفسجيّة أو النّار، كانت هناك موادّ تمنع محفّز التّفاعل، وتنتج كمّيّات أقلّ من المونومر لإعادة التّدوير، ممّا يشير إلى الحاجة إلى مزيد من الأبحاث لتحسين العمليّة.

لعلّ الميزة الأهمّ للتّقنيّة الجديدة تكمن في كفاءتها، ففي ظلّ ظروف تفاعل مثاليّة، تمّ تقليص الوقت المطلوب لتحليل المنسوجات من أيّام إلى 15 دقيقة فقط، الأمر الّذي يجعل هذه التّقنيّة فعّالة للغاية من حيث التّكلفة. في مقابلة مع المجلّة العلميّة Nature، أشار مؤلّف الدّراسة ديونيسيوس فلاشوس (Vlachos) من جامعة ديلاوير إلى أنّه من الممكن تحسين العمليّة بشكل أكبر مستقبلًا، بحيث تحدث خلال ثوانٍ.

يقدّر الباحثون أنّ هذه الطريقة قد تتيح، بعد المزيد من التّحسينات، إعادة تدوير ما يصل إلى 88% من الملابس في العالم. يسلّط هذا الاكتشاف الضّوء على أهمّيّة الابتكار في معالجة التّحدّيات البيئيّة، ويسلّط الضّوء على إمكانات العلم في تحويل النّفايات إلى موارد قيّمة، ويمهّد الطّريق لصناعة أزياء مستدامة.

0 تعليقات