اعتاد الناس منذ القدم استخدام المواد الخام الطبيعية لإنتاج  أشياء ومواد ساهمت كثيرًا في تحسين جودة حياتهم. لكن خلال القرن التاسع عشر حصلت أحداث هامة، آثارها معروفة لنا جيِّدًا.  هذه الأحداث كانت نقطة انطلاق لثورة كبيرة. لقد حولتنا هذه الثورة من مستهلكين نعتمد على المواد الخام الطبيعية إلى مُنتجي مواد جديدة لها صفات رائعة.  هذه المواد تسمى بوليميرات.

سجّلَ المخترع الأمريكي  تشارلز غوديير (وهو الذي سميت باسمه شركة الإطارات الشهيرة Goodyear) سنة 1844 براءة اختراع للتفاعل بين المطاط الطبيعي وبين الكبريت في عملية سميت بـ "البركنة" أو "الفلكنة" (Vulcanization). لقد أدت هذه العملية إلى تغيير صفات المطاط الطبيعي تغييرًا كبيرًا، إذ تم الحصول بواسطتها على مطاط مرن، قوي وثابت. على الرغم من الأهمية الصناعية لعملية الفلكنة، لم يعرف جوديير ماهي البوليميرات  ولم يفهم، حقًّا، لماذا تغيرت صفات المطاط، في الواقع لم يتمكّن أحد في تلك الفترة من أن يُعرّف ماهية البوليمر وما هي صفاته.  

لقد كان الكيميائي السويدي يانس برسيليوس، الذي يعتبر أحد أسلاف الكيمياء الحديثة، أول من طبع مصطلح البوليمر، وذلك  سنة 1833. الكيميائي الألماني هيرمان شتاودينجر، الحائز على جائزة نوبل سنة 1953 لمساهمته الكبيرة في فهم صفات البوليميرات، عرضَ تفسيرًا  أكثر دقة لهذا المصطلح. يعود فضل ما نعرفه اليوم عن التعريف الدقيق للبوليمرات وعن صفاتها وكيفية التحكم بها إلى أعمال شتاودينجر ومن تبعه في نفس المجال. 

يتيح لنا فهم صفات البوليميرات الكيميائية والفيزيائية إنتاج مواد متنوعة تتم مُلاءَمتها بشكل دقيق للحاجة الشخصية والصناعية. إذا نظرنا حولنا سوف نلاحظ عددًا كبيرًا من الأغراض البلاستيكية والمطاط والنايلون، مصنوعة من أنواع مختلفة من البوليميرات. البوليميرات موجودة في كل مكان.

 

كيمياء البوليمرات

لا يمكن تقييم الأهمية الهائلة للبوليمرات في حياتنا تقييمًا دقيقًا. يستخدم  جميعنا المنتجات المصنوعة من البوليمرات، كما أن حياتنا بدونها تكون صعبة، غير مريحة و مملة.  

تعني كلمة "بوليمر" في اللغة اليونانية الوحدات الكثيرة (بولي= كثير; مير= وحدة). ويتطرق هذا المصطلح في الكيمياء إلى السلسلة الطويلة أو الجزيء الكبير أو الماكرو - جزيء، وهو جزيء ضخم مكوّن من وحدات متكررة لجزيء معين. يُطلَق على  هذه السلسلة، أو الجزيء الطويل، الاسم "بوليمر" ويسمى الجزيء الصغير الذي يتكرر على طول السلسلة بالـ "موحود" أو كما وردَ في الأصل باللغة الإغريقية "المونومر" (مونو= واحد). عملية الربط بين المونومرات لتكوين البوليمر تسمى "تفاعل البلمرة".   

يمكننا تخيل البوليمر كقطار يتكون من مائة عربة متشابهة تمامًا. العربة الواحدة هي بمنزلة المونومر والقطار هو البوليمر. يجب أن تكون العربات متصلة بقوة وبثبات أثناء سفر القطار، للحفاظ على تكامله. يمكن للبوليمر، بشكل مشابه، أن يكتسب الثبات والمتانة بفضل ترابط المونومرات التي تكوّنه  بروابط تساهمية (كوفلنتية) قوية جدًّا. 

يتحدد اسم البوليمر عادة بحسب المونومر الذي يكوّنه، بإضافة المقدمة "بولي". "البوليستيرين"، على سبيل المثال، هو بوليمر مكوّن من الوحدات المتكررة من المونومر ستيرين. يمكن كتابة صيغة البوليمر الكيميائية بصورة مختصرة، إذا كان عدد المونومرات كبيرًا، عن طريق تحديد عدد الوحدات المتكررة، كما يظهر في التخطيط التالي: 

 

 

أهمية الحجم - العلاقة بين طول البوليمر وبين صفاته

ليست البوليمرات جزيئات عادية. غالبًا ما يكون للجزيئات حجم وبنية محدَّدان ومعروفان، ولكن البوليمرات هي جزيئات طويلة جدًّا ليس لها طول محدد. يمكن أن يكون البوليستيرين، مثلاً، مكونًا من ست وحدات ستيرين متكررة أو من مليون وحدة ستيرين، ويسمى الجزيء في هاتين الحالتين بنفس الإسم، البوليستيرين. لكن هل تطابق صفات البوليسترين طويل السلسلة صفات البوليستيرين القصير؟ 

يحدد حجم الجزيء، في هذه الحالة، صفاته - لا تتشارك السلاسل الطويلة والسلاسل القصيرة بنفس الصفات، على الرغم من تطابق تركيبها الكيميائي. هيا  نخطط تجربة خيالية لنفهم مصدر الفرق بين صفات البوليمر طويل السلاسل والبوليمر القصير. تخيلوا للحظة أن سلاسل البوليمر هي خيوط من المعكرونة نريد أن  نُحضّر صحنيْن منها- أحدهما يحتوي على خيوط معكرونة طويلة والآخر يحتوي على خيوط قصيرة. إذا حاولنا إخراج خيط معكرونة واحد من كل واحد من الصحنين، سوف يتبين لنا، على الفور، أن عملية إخراج الخيط الطويل ستكون أصعب،  بشكل ملحوظ، من عملية إخراج الخيط القصير. لماذا؟  

تلتف خيوط المعكرونة الطويلة بعضها حول البعض  مُكوّنةً مجموعةً متشابكةً تجعل عملية إخراج خيط واحد منها مهمةً صعبة، وذلك على الرغم من كونها  مصنوعة من نفس المادة. بالإضافة إلى ذلك، عندما نبدأ بسحب خيط المعكرونة الطويل إلى الخارج، يحدث احتكاك بينه وبين خيوط أخرى، الأمر الذي يُصَعّب عملية إخراجه. في المقابل، تكاد لا تلتف الخيوط القصيرة بعضها حول البعض، وعند سحب الخيط،  يكون الاحتكاك بينها قليلاً جدًّا. 


خيوط المعكرونة التي تحاكي سلوك سلاسل البوليمر
 

لا تختلف البوليمرات، في هذا السياق، كثيرًا عن خيوط المعكرونة. كلما كانت سلاسل البوليمر أطول ازداد  التفافها وتشابكها، كما تزداد التأثيرات المتبادلة فيما بينها. تنجم الصفات المختلفة للمواد المُكَوّنة من بوليمرات، مثل اللزوجة والمرونة والمتانة ودرجة الانصهار والكثافة وغيرها، عن هذا السلوك الخاص، بحسب طول البوليمر.

 

البوليمرات في حياتنا اليومية

توجد البوليمرات في أجسامنا وفي طعامنا ولباسنا وفي المنتجات التي نستخدمها، وبدونها لن تكون حياتنا كما نعرفها.  

تتكون أجسامنا من بوليمرات مهمة، مثل، الزلاليات (البروتينات)، السكريات وغيرها. لكن البوليمر الأكثر أهمية لنا، بدون أدنى شك، والموجود في أجسامنا، هو الدي. إن. إيه (DNA)، المكوّن من أربعة مونومرات مختلفة تسمى  "الأحماض النووية". الأحماض الأربعة تكوّن الشيفرات التي تتَرجَم إلى الزلاليات المسؤولة عن تحريك العمليات المختلفة في الجسم. 

البوليمرات الموجودة في أجسامنا بشكل طبيعي، أو في الطبيعة عامةً، تُسَمَّى  "البوليمرات الطبيعية". توجد مجموعة كبيرة أخرى من البوليمرات الاصطناعية تسمى  "البوليمرات التخليقية".  هذه المجموعة تشمل أنواعًا  كثيرةً من البوليمرات، تُحضّرُ منها أكياس النايلون، منتجات البلاستك على أنواعها، المطاط، الكلكار، الأصماغ، الأصباغ، الدهانات، الطلاء وغيرها من المنتجات. تتحدد صفات هذه المنتجات باستخدام بوليمرات من أنواع وأطوال مختلفة.  

البولي إثيلين هو مثالٌ بارز للبوليمر التخليقي الذي غيّرَ الكثير في عالمنا. يتكوّن هذا البوليمر من وحدات متكررة من جزيء الإثيلين. لقد أصبح هذا البوليمر أحد البوليمرات المركزية في حياتنا بفضل تكلفته الرخيصة ووزنه الخفيف والقدرة على التحكم بصفاته عن طريق تغيير طول سلاسله. يمكن تحضير الكثير من المنتجات من هذا البوليمر مثل أكياس النايلون، الأنابيب، الألعاب  البلاستيكية وأشتال العظام.


كيس نايلون من البولي إثيلين مدموغ  بشعار التدوير | أخذت الصورة من ويكيبيديا; إنتاج Kriplozoik  

لقد فتح لنا استخدام البولي إثيلين عالمًا جديدًا من المنتجات المتنوعة، المتينة والرخيصة، التي غيّرت حياتنا بشكل كبير. ولكن إحدى المشاكل المركزية التي ظهرت بسبب استخدامه الواسع هي مشكلة التلوث البيئي. يمكن للبوليمرات الطبيعية، ولبعض البوليمرات التخليقية، أن تتحلل في الطبيعة تحللا كاملاً عن طريق بكتيريا تمنع تراكمها. ولكن تحلّل البولي إثيلين في الطبيعة هو عملية بطيئة جدًّا، وذلك  بسبب الروابط القوية بين وحداته المتكررة، الأمر الذي يؤدي إلى تراكمه وإلى تلويثه للبيئة. يزداد في أيامنا الوعي تجاه جودة البيئة. الطريقة الأكثر نجاعة لتجنب تراكم البولي إثيلين هي عملية تدوير إنتاجه.


تفاعل بلمرة البولي إثيلين

 البحث عن مواد ذات صفات جديدة ومتنوعة، الذي بدأ في منتصف القرن التاسع عشر، أدَّى إلى ثورة حقيقية بدأت بالتزامن مع اكتشاف البوليمرات. استخدام البوليمرات في أيامنا رائج جدًّا، لدرجة أننا نجدها في كل مكان، بدءًا بالألعاب  حتى الأدوية. تجري دراسة البوليمرات على نطاق واسع للغاية في المؤسسات الأكاديمية في أنحاء العالم، وذلك في مجالات الكيمياء، الفيزياء و البيولوجيا. لكن الطلب المتزايد على المنتجات الجديدة أدَّى إلى تعاظم إنتاج البوليمرات من عام إلى عام، وهذا الأمر،  بدوره، أدَّى إلى تفاقم تلوث البيئة. 

الأخطار البيئية التي تؤذي الكائنات التي تعيش على اليابسة وفي مياه البحار وفي المحيطات والأنهار تنجم عن تراكم المنتجات المصنوعة من البوليمرات، التي يساهم استخدامها كثيرًا في جودة حياتنا. لذلك، علينا التفكير في مستقبلنا وفي مستقبل الطبيعة الرائعة المحيطة بنا، والقيام بعمليات تدوير إنتاج البوليمرات، لكي نستمر في الاستفادة من الميزات  الكثيرة التي تزودنا بها البوليمرات. 

إذاً، عند سماعك كلمة "بوليمر"، لا تَخَف ولا ترتبك- فكّر بها باعتبارها  معكرونة!

 

ران طفعوني
معهد وايزمان للعلوم
الترجمة للعربيّة: خالد مصالحة
التدقيق اللغوي: خالد صفدي
التدقيق العلمي: رقيّة صبّاح

 

ملاحظة للمتصفحين

إذا كنتم تعتقدون أن الشرح ليس واضحًا بشكلٍ كافٍ، أو إذا كانت لديكم أسئلة تتعلق بالموضوع، أنتم مدعوون للكتابة عن ذلك في المنتدى، وسوف نتطرّق لمُلاحظاتكم.  اقتراحات التَّحسين والنقد البناء تُقبَل، دائِمًا، برحابة صدر.

 

0 تعليقات