كَتَبَ سائل السُّؤال أَنَّهُ يعرف ما هو عدد أَفوجادرو، لكن إِن كنتم لا تعلمون ما هو عدد أَفوجادرو- فَيُوصَى بقراءة المقال ما هو المول؟ (اسمٌ مرادف لمادّة محتوية على عدد أَفوجادرو لأَشياءَ ما). وبعدها، يمكنكُمُ العودة لهذا المقال، الّذي يشرح كيف حسبوا هذا العدد الهائل.

سنشرح باختصارٍ شديد أَنَّ عدد أَفوجادرو، أَو ثابت أَفوجادرو، هو وحدة قياس يستعملها (بالأَساس) الكيميائِيُّونَ والفيزيائِيَّونَ في حساباتهم. لأَنَّ الذَّرَّاتِ والجزيئاتِ صغيرةٌ للغاية، يقيسون كمِّيَّتها بوحدة "أَفوجادرو" لجُسَيمات مادّة، أَو "مول" لجُسَيمات مادّة. تمامًا كما يُنشِئُون وحدة قياس جديدة لكلّ عددٍ كبير- على سبيل المثال الأَلف غرام هي كيلوغرام، والأَلف كيلوغرام هي طنّ- وهكذا أَنشأُوا وحدة عدد كبيرة لذَّرَّات وجزيئات المسمَّاة عدد أَفوجادرو أَو مول جُسَيمات، والّذي يساوي- 6.02*1023 جُسيم، أَي 602,000,000,000,000,000,000,000 (602 أَلف مليار مليار جُسَيم).

تمَّ تعريف المول حسب الطّريقة المِتريّة، والّتي تستعمل الكيلوغرامات كوحدة للوزن. المول مُعرَّفٌ على أَنَّهُ عدد الجُسَيمات الموجودة في ـ0.012 كغم (12 غرامًا) لذرّات كربون 12. أُعطِيَ هذا التّعريف من أَجل الرَّاحة - فقد عرَّفوا في الماضي الكمِّيَّة نفسَها حسب غرام واحد مِنَ الهيدروجين أَو 16 غرامًا مِنَ الأُكسجين. كقاعدة، يوجد لكلّ ذرّة وزنٌ ذرِّيٌّ خاصّ، وإِذا أَخذنا من كلّ عنصر كمِّيَّة وزنها بالغرامات مُساوٍ لوزنه الذَّرِّيّ، فَسَنحصل على مولٍ واحد. ولأَنَّ ذرَّات الكربون هي الذَّرَّات الأَكثر انتشارًا في الطّبيعة عددِيًّا، مِنَ الأَسهل استعمالها كمقياس مقارنة، وهكذا عُرِّف المول كعدد الجُسَيمات الّتي في الكربون.

مِنَ المهمّ التّشديد على ذلك مرّةً أُخرى- لم يختاروا الرَّقم 6.02*1023 وقرَّروا أَنَّه مول، إِنّما اختاروا أَخذ وزنٍ معروف لعنصرٍ معيّن، وعَدُّوا كم ذرَّةً فيه، وهكذا حُدِّدَت كمِّيّة الجُسَيمات في مولٍ مِنَ المادّة، أَي عدد أَفوجادرو.

حِسابُ عَدَدِ أَفوجادرو

الآنَ يُطرح السُّؤال: كيف توصَّلُوا إِلى أَنَّ هذا هو بالذَّات رقم الجُسَيمات الموجود في 12 غرامَ كربون 12؟ كيف يمكِنُ عَدُّ عَدَدٍ كبيرٍ لهذه الدَّرَجة؟

الجواب هو بالطَّبع أَنَّهم لا يجلسون ويعدُّونَ ذرَّاتٍ، إِنَّما يُجرون حسابًا يكشف ما هو العدد بشكلٍ غير مباشر. يتمُّ ذلك بواسطة قسمة عَدَدَيْنِ، أَحدهما هو صفة لكمِّيَّة مادّة كبيرة (صفة شيء كبير كالحجم، والطُّول، والشّحنة، وما شابه ذلك)، والثّاني هو الصِّفة نفسُها كما قيست لجُسَيمٍ وحيد- صفة شيء صغير. النِّسبة بين القِيمَتَيْنِ هي ببساطة عَدَدُ الجُسَيمات.

على مرّ التّاريخ، حاول كبار العُلَماء مرَّاتٍ كثيرةً، وبوسائِلَ مختلِفَة حِسابَ الرَّقم. وفيما يلي بعض الوسائل البارزة الّتي استُعمِلَت خلال تاريخ العلم.

قِياسُ بواسِطَةِ حَجمِ الغَاز
أَوَّلُ مَن أَدلى بِدَلْوِهِ، كان العالِم النَّمساويّ جوزيف لوشميدت وذلك في عام 1865، وذلك قبل أَن يحصُلَ عدد أَفوجادرو على اسمِهِ، أَو حتّى تمَّ تعريفه. لم يحسب لوشميدت عدد أَفوجادرو بالضَّبط، إِنّما عدد جُزَيئات الغاز الموجودة داخل كلّ مكعّب حجمُهُ متر مكعَّب واحد. وقد قال: لأَنَّ حجم الغاز هو عمليًّا حاصل جمع كلّ الأَجسام الّتي تشغلها جُزَيئات الغاز، ففي اللّحظة الّتي نعرف الحجم الّذي يشغله كلّ جزيء، يمكِنُنا عندها معرفة عدد الجزيئات الشَّامل.

"يشغَلُ" الجزيء في الغاز حجمَهُ هُوَ، بالإِضافة إِلى المعدَّل الّذي يجب أَن يسلكه حتّى يصطدم بجزيءٍ آخر. المشكلة في هذه الوسيلة هي أَنَّهُ مِن أَجل معرفة الحجم الّذي يشغله كلّ جزيء، يجِبُ معرفة ما هو الحجم الّذي يشغَلُهُ غازٌ يَتِمُّ تحويلُهُ إِلى سائل (لأَنَّهُ في السَّوائل لا يوجد بُعد بين الجزيئات تقريبًا)، وما هو قُطر الجزيء الواحد (لأَنَّ لوشميدت أَظهر أَنَّهُ توجد علاقة بين قُطر الجزيئات، وبين معدَّل البُعد بينها).


جوزيف لوشميدت- أَوّل مَن حاول حساب عَدَدِ الجُسَيمات في المادّة | صورة: ويكيبيديا

وَلِسُوءِ حظّ لوشميدت، فإِنَّهُ لم يعرف هاتَيْنِ القِيمَتَيْنِ: تحويل الهواء إِلى سائِلٍ، فقد أَوجدوها بعد 12 سنة فيما بعد فقط، ولم يتمكَّنُوا من قياس قُطر الجزيء حتّى الآن. وبدلاً من ذلك، فقد خمَّنَ ببساطةٍ هذه القِيَم... وَأَخطَأَ: فقد كانَتِ القيمة الّتي حصل عليها أَقلّ بِعَشرِ مرّاتٍ مِنَ الرّقم الحقيقيّ. لكن تخليدًا لذكراه، فحتّى اليوم هنالك ثابت لوشميدت: عَدَدُ الجُسَيمات في متر مكعّب مِنَ الغاز في درجة حرارة صفر مئويّ، مُساوٍ لِـ-2.68*1025 جُسيم.

القِياسُ بواسطَةِ بُقعَةِ زَيت
الفيزيائيّ جون رايلي، المعروف بِفَضلِ مساهمته في بحث توزيع الضَّوء وهو الّذي شرح لماذا السَّماء زرقاء، واجَهَ في نهاية القرن الـ19 المشكلة بشكلٍ آخر. الحلّ لديه كان أَنيقًا وببساطة لم يتطلَّبْ تخميناتٍ: فقد فهم أَنَّهُ بالإِمكان حساب حجم الجزيئات وعددها، بمساعدة بقعة زيت عائم على الماء. نَعَم نَعَم!

إِحدى تجاربه الأَوَّليَّة الّتي أَجريتُها عندما درست للَّقب الأَوّل في الكيمياء، كانت هذه التّجربةَ الأَنيقَةَ والجميلة، والّتي يُحسَب فيها عَدَدُ أَفوجادرو من خلال قياس مِساحة انتشار الزَّيت على الماء. المنطِقُ كالتّالي: نقطر في زبديّة مليئة بالماء قطرةً مِنَ الزَّيت الخفيف (حامض دهنيّ، عمليًّا). ينتشِرُ الزّيت ويكوِّن بقعةَ زيتٍ على الماء. وفي مرحلة معيّنة، تتوقَّف البقعة عَنِ التَّمدُّد. لدرجة أَنَّهُ لو نفخنا عليها فإِنّها لن تعود للتَّمدُّد، إِنّما تتكوَّن فيها ثقوبٌ على الأَكثر.


زيوتٌ عائمة على الماء. حسب مِساحتها يمكِنُ حساب عدد أَفوجادرو | صور: ويكيبيديا

وقد فهم ريلي أَنَّهُ في هذه الحالة يُرجَّحُ الافتراض أَنَّهُ قد تكوَّنت طبقةٌ واحِدَةٌ ووحيدة مِنَ الجزيئات العائمة على الماء، وهكذا تَكُونُ قد نَفَدَت كلّ إِمكانيّات تمدُّدِ الزَّيت. ويقيسون الآنَ مِساحةَ بقعة الزَّيت، ومن هذا العدد فقط، يمكِنُ تقديرُ عدد أَفوجادرو بِدِقَّةٍ متناهية، من خلال عدّة حسابات رياضيّة بسيطة جِدًّا.

بادِئَ بَدءٍ، ولأَنَّ حجم قطرة الزّيت بَقِيَ ثابتًا خلال التّجربة، فالقطرة غيَّرت شكلها فقط من كُرةٍ إلى بُقعة مسطَّحَةٍ، ولأَنَّ حجم إِسطوانة أَو منشور، هو حاصل ضرب مِساحتها في ارتفاعها، ولذلك فإِذا قسَّمنا حجمَ الزَّيت الّذي سكبناه على مِساحة بقعة الزَّيت الّذي حصلنا عليها نحصُلُ على ارتفاع البُقعة. النّتيجة الّتي نحصل عليها تُساوي نانو- متر واحِدًا تقريبًا (جزءٌ مِنَ المليار مِنَ المتر)، وهذا حقيقةً متوسّط كِبَر جزيء الزَّيت.

يمكِنُ حسب المعلوماتِ الكيميائيّة تقدير أَنَّ جزيئات الحامض الدُّهنيّ، وهي جزيئات شكلُها كسلسلة طويلة، تعوم على الماء عموديًّا، لأَنّه يوجد لها "رأس" هيدروفيليّ (يرتبِطُ بالماء) و"ذنب" هيدروفوبيّ (يبتعدُ عَنِ الماء)، كما في الصَّابون. أَي أَنَّ ارتفاع بقعة الزَّيت هو عمليًّا طول جزيء الزّيت. وحسب طول الجزيء يمكِنُ تقدير مساحته: على سبيل المثال، إِذا كان الجزيء مُكَوَّنًا من عَشرِ ذرّات مُتّصلة بِسِلسِلَةٍ، فَيُمكِنُ معرفة أَنَّ قُطره هو عُشر طُولِهِ، ويمكِنُ حساب المساحة حسب القُطر.

وأَخيرًا، المساحة الكُلِّيَّة لبقعة الزّيت، هي تقسيم مساحة جزيءٍ وحيد، يُعطينا عَدَدَ الجُزيئات. وإِذا كنتُ أَذكُرُ جيِّدًا، عندما قُمتُ بإِجراء التّجربة بنفسي توصَّلتُ لنتيجةٍ تساوي 1022 تقريبًا بالنِّسبة لعدد أَفوجادرو، أَيِ العدد الدَّقيق تقريبًا، في تجربةٍ بسيطة لم تتطلَّب أَيَّة معدّاتٍ خاصّة.

قِيَاسٌ بواسِطَةِ حَرَكَةٍ ميكروسكُوبِيَّة
وبعد عدّة سنوات، وفي بداية القرن الـ20، وَضَعَ الفيزيائيّ الفرنسيّ جان بطيست فيران بصمَتَهُ على المصطلح "عدد أَفوجادرو"، لتحديدِ عَدَدِ الجُسَيمات في مُولٍ مِنَ المادّة. وقد أَعطى هذا الاسم للعَدَدِ تخليدًا للكيميائيّ الإِيطاليّ أَمادو أَفوجادرو. وحَسَبَ فيران أَيضًا العَدَدَ بطرقَ ترتكز على حركة براونيّة (حركة أَجسام ميكروسكوبيّة تسبِّبُهَا حركة جزيئات سائل)، والّتي بحثها وحصل على جائزة نوبل مقابلها.

باختصارٍ شديد، تمَّ حساب الرّقم بواسطة تقدير كمِّيَّة الجزيئات الّتي يجِبُ أَن تتواجَدَ كي تسبِّبَ حركةً لجسم ميكروسكوبيّ من خلال الاصطدام بِهِ. ومنذُ ذلك الحين، حاول علماءُ كثيرون تحديدَ عَدَدَ أَفوجادرو بطرائِقَ متطوِّرة إِضافيّة.


جان بطيست فيران- مَهَرَ المصطلح "عدد أَفوجادرو" | صورة: ويكيبيديا

قِياسٌ بواسِطَةِ الإِلكتروليزا والكهرباء

تمّ الحصول أَخيرًا على العدد الدَّقيق بمساعدة مجالٍ علميّ آخر كُلِّيًّا- هو بحثُ الكهرباء. وقد اكتشفَ العالِمُ البريطاني مايكل فارادي في العام 1834 قوانينَ الإِلكتروليزا (تحليل موادّ بواسطة التَّيَّار الكهربائيّ). وَقَدِ اكتشفَ من جملةِ ما اكتشفَ، "ثابت فارادي"- الشّحنة الكهربائيّة لمول الإِلكترونات، والمساوية لِـ96,485 كولونًا (اِكتشف فارادي أَنَّه في كلّ مرّة تجري فيه شحنة كهربائيّة خلال الإِلكتروليزا، تتكوَّنُ مادّة على الإِلكترودات حسب وزنها الذَّرِّيّ بشكلٍ دقيق، أَو بكُسورِهِ الكاملة). ومن أَجل حسابِ عَدَدِ أَفوجادرو كان يتوجَّبُ معرفة شحنة إِلكترون وحيد، وعندها تُقسم شحنة مول إِلكترونات (ثابت فارادي) على شحنة إِلكترون وحيد، ومعرفة كم يساوي "المول" بشكلٍ دقيق. 

وَقَد وَصَلَتِ الإِجابة بعد 75 عامًا بعد فارادي. ففي سنة 1909 نجح الفيزيائيّ روبرت ميلكين في قياس الشّحنة الكهربائيّة لإِلكترونٍ وحيد، والمساوية لـ1.6022*10-19  كولونًا (بالمناسبة، قام هُوَ الآخر بإجراء تجربة بسيطة بقطراتِ زيتٍ. وقد فاز بجائزة نوبل على اكتشافه)، وفعلًا فَقِسمَةُ العَدَدَيْنِ على بعضهما البعض، تُعطي عَدَدَ أَفوجادرو بالضَّبط 6.02*1023.

قياساتٌ حديثة لحجم ذرّة وحيدة داخل بِلَّورة من مادّة، والّتي تمّ إِجراؤها بواسطة بِلَّوراتٍ لأَشعة X وَقِسمَة أَبعاد البِلَّورة على أَبعاد الذَّرَّات الّتي تبنيها، أَوصَلَت إِلى الّنتيجةِ نفسِها بالضَّبط. ويُعتَبَرُ هذا القياس الأَكثر دِقَّةً، لذلك يُعرَّفُ ثابت فارادي على أَنَّه حاصِلُ ضرب شحنة الإِلكترون بعدد أَفوجادرو.

1 comment

  • زكرياء أمنصار

    بارك الله فيكم و أعانكم على

    بارك الله فيكم و أعانكم على نشر العلم و المعرفة