السكريات والدهون وخصائص الدماغ. ما هي العمليات الحيويّة التي تحدث في أجسامنا عندما نصوم عن الأكل لساعات طويلة؟

يصومُ النّاس حول العالمِ لأسباب عدّة، أبرزُها الوازع الدّيني، فالمسلمون يصومونَ في كل عامٍ على مدارِ شهرٍ كامل، شهرِ رمضان المبارك. كذلك يصومُ اليهود حول العالمِ في يوم عيد الغفران. وقد يتجنب كثيرٌ من النّاس في سائر أيام العام الأكل لساعاتٍ طويلة بغيّة اتّباعِ حميةٍ أو لأسباب صحية، في حين يصومُ آخرون ويمتنعون عن الطّعامِ لأسبابَ روحيّة وقد يُضرب البعض عن المأكل والمشرب لدوافعَ سياسية واحتجاجيّة. في الواقع، تشير الأبحاثُ الأثرية إلى أن تاريخ البشر مع الصيام يعودُ لأكثر من ألفي سنة. ومع ذلك، من غير المؤكّد بأنّهم قد استطاعوا في تلك الأيام تحليل العمليات الحيوية التي تحدث داخل أجسامنا أثناء تعرّضها لنقص الغذاء،  بذات القدرة التي  باستطاعتنا نحن أن نشرحها اليوم.

الصيام في اللغة مطلق الإمساك عن الشيء (أو تركه)، ويعرّف على أنّه الامتناع المتعمّد عن الأطعمة والمشروبات التي تحوي السعرات الحرارية ، ويشملُ في بعض الأحيان -كما في صيام رمضان- الماء أيضًا. تتراوح مدة الصيام من 12 ساعة إلى عدة أيام. وفقًا للأبحاث، فإنّ الصيام المراقبَ والمتحكّمَ فيه لا يشكّلُ خطرًا على الأشخاص الأصحاء ممّن ليس لديهم خلفيّة مرضيّة ولا يتلقون علاجًا بالأدوية. في السنوات الأخيرة، جُمعت بعضُ الأدلّة أيضًا على أن بعض عمليات الأيض التي تحدث أثناء الصيام قد يكون لها أثرٌ إيجابيٌّ ومفيدٌ للصحة.
 

استغلالٌ ناجعٌ للطاقة

عمليات التمثيل الغذائي التي تحدث بعد الوجبة وأثناء الصيام، مصمّمةٌ بحيثُ تضمنُ من جانبٍ توفير الطاقة المتاحة بعد الوجبة، ومن جانبٍ آخر الحفاظ على انتظام مستوى السكر في الدّم حتى عندما يتوقف تزويده بالطعام. بعض أعضاء الجسم، مثل العضلات والكبد، قادرة على توليد الطاقة من مصادر أخرى، لكن الدماغ يعتمد فقط على إمدادات الطاقة  التي تصل إليه على شكل جزيئات جلوكوز. لذلك، من المهم للغاية الحفاظ على منسوبٍ منتظمٍ وثابت للسكّر في الدم.

المسؤول عن هذا التنظيم الدّقيق للسكّر في الدّم هما هرمونان رئيسيان يفرزان من البنكرياس. الأول هو الإنسولين، الذي يُفرزُ ويعملُ بعد الوجبة ويشير إلى الجسم بأنّه في حالة من الشّبع. والهرمون الثاني هو الجلوكاجون- glucagon، الذي يبدأ إفرازه أثناء الصيام ويشير إلى أنّ الجسم دخل في حالةٍ من الجوع.

ينظّم نشاط هذين الهرمونين على التوالي عملية التمثيل الغذائي التي توفّر الطاقة للجسم، التي تتضمّن عملية تحليل الجلوكوز لإنتاج الطاقة (تحلل السكّر-glycolysis) وعملية إنتاج الجلوكوز من الأحماض الأمينية (استحداث السكر-Gluconeogenesis). بالإضافة إلى ذلك، تشارك هذه الهرمونات في بناء وتحليل الكربوهيدرات المعقدة والدهون المسؤولة عن تخزين الطاقة (مثل الجلايكوجين - glycogen، والدهون الثلاثية).

أثناء الوجبة وبعدها، تؤدي زيادة مستويات الجلوكوز إلى إفراز هرمون الإنسولين من البنكرياس، تلي ذلك سلسلة من العمليات التي تؤدي إلى دخول السكر للخلايا والأنسجة وتخزينه كطاقة، على صورة جلايكوجين في الكبد أو كدهون. بالإضافة إلى ذلك، يسرّع الإنسولين من عمليّة تفكّك السكّر وإنتاج الدهون (الدُّهون الثّلاثية) ويوقف عمليات إنتاج الجلوكوز.

في الساعات الأولى التي تلي الوجبة، تبدأ مستويات الجلوكوز بالانخفاض، لذلك يتوقف البنكرياس عن إفراز الإنسولين ويبدأ بإفراز هرمونٍ آخر يسمى الجلوكاجون. يعمل الجلوكاجون بطريقةٍ عكسيّةٍ تمامًا من الإنسولين - فهو يؤدي إلى انهيار مخازن الطاقة (الجلايكوجين)، ويوقف تخزين الأحماض الدهنية ويبدأ بإنتاج السكريات. في الواقع، نحن جميعًا نختبر مثل هذه الدوائر القصيرة من الوجبات والصّوم في كل يوم، على سبيل المثال في الفترة ما بين وجبتي العشاء والفطور في اليوم التالي.

 

ماذا يحدث عندما تنفذ المخازنُ المتاحة؟

عادة ما يحدث التغيير الأيضي الذي يميّز الصيام بعد حوالي 12 ساعة من الوجبة الأخيرة، حيث يبدأ مخزون الجلايكوجين في الكبد في النفاذ ويبدأ الجسم في تكسير الأحماض الدُّهنية لإنتاج الطاقة. هذه العملية تسمى تحلّل الدهون.

كلما انخفض مخزون الجلايكوجين المتاح الذي يمكن للجسم إنتاج الجلوكوز منه، زادت الحاجة إلى الطاقة البديلة - الدّهون. من أجل رفع مستويات الأحماض الدهنية الحرة التي تستطيع أجسامنا من خلالها توليد الطاقة، تبدأ عملية تكسير مخازن الدّهون الثلاثية في الخلايا الدهنية. أي أن التغيير الأول الذي يحدث أثناء الصيام هو التحوّل من إنتاج الطاقة المستندة إلى الجلوكوز إلى الطاقة المستمدّة من الأحماض الدهنية.

معظم الأنسجة في الجسم قادرة على توليد الطاقة من تحليل الأحماض الدهنية، لكن الدّماغ يظلُّ بحاجة إلى الجلوكوز للقيام بوظائفه الحيويّة. ولتلبية احتياجاته خلال المراحل المبكرة من الصيام، تبدأ عملية تحليل البروتين في العضلات بهدفِ إفراز مواد إلى الدّم، والتي يمكن منها إنتاجُ جزيئات جلوكوز جديدة.

ومع ذلك ، فإن هذه العملية تتسببُ بأذًى وضمورٍ في العضلات ، لذلك لا يمكننا تحمل تكلفةِ استمرارها على مدًى طويل. لذلك، في الخطوة التالية، يتحرك الدماغ لإنتاج الطاقة من جزيئات الكيتون -التي تم الحصول عليها في عملية تحلّل الأحماض الدهنية-. تحدث هذه العملية، التي تسمى فرط كيتون الجسم أو الكيتوزية (Ketosis) في الكبد ولكن منتجاتها تغذّي بالأساس الدماغ، في حين أن معظم الأنسجة الأخرى تنتج الطاقة مباشرة من تحلّل الأحماض الدهنية، وليس من منتجات التحلّل الكيتوزية.

 

تغييرات واسعة النّطاق

تؤثر العملية التي تحدث أثناء الصوم، من استخدام الطاقة الناجمة عن تحليل الأحماض الدهنية بدلًا من السكريات، على العديد من العمليات الحيوية الأخرى في الجسم. على سبيل المثال، وجد باحثون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) في أبحاث أجريت على  الفئران أن تحلّل الأحماض الدهنية أثناء الصيام يؤدي إلى تكوين خلايا جذعية جديدة للأمعاء تحسّن من قدرة الفئران على التعافي والاستشفاء بعد إصابتها بالعدوى. وقد أظهرت الدراسات أيضًا أن العمليات التي تحدث أثناء الصيام مفيدة للأشخاص الذين يعانون من مقدمات السكّري (prediabetes)، وعلى وجه الخصوص، تقلّل هذه العمليّات من مقاومة خلايا أجسام هؤلاء الأشخاص للإنسولين. وتبحث دراسات حاليّة حول ما إذا كان للصّيام المتقطّع (Intermittent Fasting) تأثيرٌ إيجابيٌّ أيضًا على ميكروبات القناة الهضمية (الميكروبيوم)، وعلى تطوّر العمليّات الالتهابيّة ، وإحتماليّة دوره أيضًا في مزامنة الساعة البيولوجية.

على الرغم من أنّ الدّراسات تشير إلى أنّ الصّيام المُراقب يمكن أن يساهم بالفعل في تحسين الصحة البدنيّة، فمن المهم أن نتذكر أن الصّيام ليس تجويعًا وبأنّه قد يكون غير مناسبٍ للجميع. إذا كنت تعاني من أمراض مزمنة أو تتناول أدوية منتظمة، فاستشر الطبيب قبل أن تقرّر الصّيام - في رمضان أو في أيّ موعد آخر. صيامًا صحيًّا ومقبولًا للجميع!

 

التدقيق العلمي واللغوي: د. أريج أبو رميلة

 

0 تعليقات