كشفَت دراسة حديثة عن الوقت القصير الّذي يمرّ منذ تعدين المعادن الهامّة لاستخدامنا وإنتاجها ولغاية خروجها من نطاق. تعرض الدراسة، كذلك، كيفيّة استنفاد البشريّةِ مواردَها المعدنيّة

يعتمد البشر في الحياة العصريّة على استهلاك عشرات الأنواع من المعادن لأغراض متنوّعة. لكنّ لهذه المعادن موارد محدودة، وتعدينُها يضرّ بالبيئة وبصحّة الكثير من البشر.

كشفَت دراسة حديثة نُشِرت في المجلّة العلميّة Nature Sustainability عن الوتيرة المُثيرة للقلق، لهدر هذه المعادن الّتي نستخرجها، ودعَت إلى تحسين استخدامها وتقليل التعدين الّذي يُنشىء العديد من الأزمات. تتزايد حاجتنا إلى المعادن بوتيرة مذهلة مع التزايد السكّانيّ والتطوّر الاقتصاديّ والتكنولوجيّ في العالم. 

الحديد، مع أخذ الوزن بالحسبان، هو المعدن الأساس الّذي نقوم بتعدينه، حيث يتم تعدين ما يقارب مليارَي طنٍّ من الحديد سنويًّا، تُستَخدم خاصّةً للبناء ولصناعة الآلات والمركبات. 

تُستَخدَم معادن أخرى أيضًا لصناعة الأجهزة الإلكترونيّة والعديد من الاستخدامات التكنولوجيّة الأخرى. تتطلّب عمليّة إنتاج المعادن من الخامات الّتي تحويها توظيفَ طاقة كبيرة، خاصّةً لتسخين الخام المطحون وصهر المعادن الّتي فيه. هذه الطاقة مسؤولة عن نحو 8% من الانبعاثات السنويّة لغازات الدفيئة في أرجاء العالم. وفي حالات كثيرة، تلوّث آلات التعدين البيئة حولها، وتضرّ بالنُظُم البيئيّة والبشر من خِلال الإضرار بالبيئة جسديًّا، وتزيد حموضة المياه والتّربة وتُطلِق المعادن السامّة كالرّصاص والكادميوم والزرنيخ.

إذا قمنا بتخطيط الصّورة الكاملة لكيفيّة استهلاكنا للمعادن، سنكون قادرين على تطوير سياسة التنمية المُستدامة بسهولة أكبر، الّتي ستلبّي احتياجاتنا من خلال الحفاظ على الأنظمة الطبيعيّة القادرة على تلبية احتياجاتنا المُستقبليّة.

عالِمُ البيئة الصناعيّة من جامعة ييل، توماس جريديل (Graedel) الّذي لم يشترك في البحث يوضّح قائلًا: "... جميع الأبحاث الّتي حاولت تقدير كمّيّة المعادن المفقودة حتّى الآن، فحصَت معادن معيّنة فقط، ولم تفحص الصّورة كاملةً. في الدراسة الحاليّة، قارنَ الباحثون معلومات من عدّة مجالات صناعيّة، وقاموا بفحص وقت هدر كلّ معدن، وكيفيّة هدرها ونسبة إعادة تدويرها".

כריית מחצבי ברזל | צילום: Georgiy Rozov, Shutterstock
عمليّة استخراج الخامات تلوّث البيئة وتضرّ البشر. تعدين خام الحديد | تصوير: Georgiy Rozov, Shutterstock

 

إطالة فترة استخدام المعادن 

فحصَ الباحثون 61 معدنًا موجودًا باستخدام تجاريّ، ووجدوا أنّ فترة استخدام معظمها، منذ التعدين ولغاية خروج المعدن عن نطاق الاستخدام، هي أقلّ من عَقد. ويحظى الذّهب والحديد بفترة استخدام أطول تقارب الـ 200 عام للذّهب و150 عامًا للحديد؛ نظرًا لنجاعة استخدامهما، ولكون المُنتَجات المصنوعة منهما تحظى باستخدام أكثر استمرارًا، بينما لا تزيد فترة استخدام ستّة معادن من ضمنها الغاليوم والسيلينيوم عن سنة. إطالة فترة استخدام المعادن تقلّل من كمّيّات التعدين، وتقلّل-بالتالي- من آثاره السّلبيّة. 

يبدأ فقدان المعادن فعليًّا في مرحلة التعدين والإنتاج، وهي المرحلة الّتي تُفقَد فيها أكبر كمّيّة بالنّسبة للمعادن المُستَخرَجة من تعدين ثانويّ لمعادِن أُخرى: بالنّسبة لِـ 15 معدنًا، فإنّ 50-99% من المعدن يُفقَد ولا يُستَغَلّ. 

تُعتبَر غالبيّة هذه المعادن ضروريّة في الولايات المُتّحدة الأمريكية والاتّحاد الأوروبيّ، ما يعني أنّ هناك تخوّفًا في حال تعطيل إمدادها؛ الأمر الذي من شأنه أن يؤدّي إلى أضرار اقتصاديّة بالغة؛ لأنّ غالبيّتها تُستغَلّ للاستخدامات التّكنولوجيّة. معدن الغاليوم، على سبيل المثال، الموجود في مُعالِج هاتفكم الجوّال، مُستخرَج في الأساس من تعدين خامات بهدف استخراج الألمنيوم. كما أنّ الجرمانيوم، وهو عنصر مهمّ في الألياف الضّوئيّة، يُستخرَج من تعدين خامات بهدف استخراج الزّنك. استخراج الألمنيوم بدون الغاليوم، أو استخراج الزّنك بدون الجرمانيوم سيؤدّي إلى فقدان هذه المعادن الهامّة.

تُفقَد بعض المعادن بعد إنتاجها؛ وذلك بسبب مُعالَجة غير فعّالة. على سبيل المثال، مُخلّفات غير مُستغَلّة أثناء استخراج المُنتَج. والبعض الآخر يُفقَد بسبب تناثر المُنتَج المحتوي على المعدن أثناء الاستخدام. فمثلًا، يتناثر السّماد الّذي يحوي المغنيسيوم في البيئة، وتصدأ مُنتَجات الحديد وتتفكّك. لكن بالنّسبة لغالبيّة المعادن، فإنّ أساس فقدانها ينبع نتيجةً لعدم إعادة تدويرها بعد خروج المُنتَج الّذي يحويها عن نطاق الاستخدام. وهذا السبب هو المسؤول عن 84% من حالات فقدان المعادن.

גליום | מקור: megaflopp, Shutterstock
فترة استخدام أقلّ من سنة. الغاليوم | المصدر: megaflopp, Shutterstock

 

لماذا لا نقوم بإعادة تدوير المعادن؟ أحد الأسباب هو الافتقار للبُنى التحتيّة، لجمع النفايات الّتي ستُتيح إعادة تدويرها وفرزها. أمّا السبب الآخر فهو: العجز التّكنولوجيّ الّذي يمنع استخلاص المعادن من المُنتَجات الّتي تحويها؛ لأنّ المعادن مخلوطة بموادّ أخرى. على سبيل المثال، قد تكون المعادن موجودةً في مُنتَجاتٍ على شكل سبيكة، أي خليطًا من المعادن، أو قد تكون موجودة داخل هياكل مُعقّدة كرقائق الحاسوب. لزيادة إعادة تدوير المعادن؛ يمكن تطوير مُنتَجات يسهُل إعادة تدويرها، أو إلزام المُنتِجين باستخدام معادن مُعاد تدويرها. على سبيل المثال، يدرس الاتّحاد الأوروبيّ إمكانيّة إلزام المُصنِّعين باستخدام معادن مُعاد تدويرها لإنتاج بطاريّات، ومن ضمنها بطّاريّات المركبات الكهربائيّة.

تؤكّد الدراسة الحاليّة على ضرورة استنفاد جميع مراحل فترات استخدام المعادن، لتقليص هدرها. تُعتبر المراحل الأولى مهمّة خاصّة للمعادن الضروريّة للانتقال لطاقات متجدّدة؛ لأنّها تُستخرَج من مُنتَجات ثانويّة لتعدين معادن أخرى. ستمنح إعادة التدوير المعادن فترة استخدام جديدة، وتُمكّنُنا من تطوير اقتصاد يحافظ على المعادن من أجل الأجيال القادمة. 

 

0 تعليقات