تكثر المخاليط في الطبيعة. ولكننا نحتاج أحيانًا إلى أن نقوم بالفصل بين مُكوّناتها. لقد طوّر العلماء لهذا الغرض طرق فصل متقدمة، يمكن بفضلها تكرير البترول وتحلية المياه واستخلاص مادة الـ - دي. إن. إيه. (D.N.A) الوراثية من الخلايا.

عندما نتحدث عن شيئين غير مُتوافقَيْن  نستخدم التعبير "مثل الزيت والماء"، وهذا منطقي - الزيت والماء لا يختلطان معًا لأن صفاتهما الكيميائية تحول دون ذلك. ولكننا ، في حالات كثيرة ، نريد العكس تمامًا - الفصل بين المواد الممزوجة معًا  في خليط معيَّن.  

أحد الأمثلة الجيّدة على هذا الأمر هو البترول . البترول هو خليط يحتوي على عدد كبير من الهيدروكربونات - مُركّبات مكوّنة من عنصري الكربون والهيدروجين - ونحن نريد استخدام بعض هذه المركبات كوقود للمحركات والبعض الآخرلإنتاج البلاستيك أو المُركّبات الأخرى.  الفصل بين المُركّبات الموجودة في البترول يتم بواسطة عملية التقطير. بالإضافة إلى التَّقطير، توجد طرق فصل أخرى، منها الفيزيائية ومنها الكيميائية. تعتمد طرق الفصل الفيزيائية على الصفات الطبيعية للمواد، أي الصفات التي يمكن رؤيتها أو قياسها من دون تغيير هوية المادة (مثلًا، الحالة الرُّكامية)، وتعتمد طرق الفصل الكيميائية على الصفات الكيميائية للمواد- الصفات التي تُحدّد هوية المادة. 
 

طرق الفصل الفيزيائية

تعتمد الطرق الفيزيائية، كالتصفية والتقطير، على الفروق في حجم الجسيمات (التصفية) وفي درجات غليان المواد الموجودة في الخليط (التقطير). هذه صفات يمكن قياسها أو مشاهدتها من دون تغيير هوية المادة نفسها.  
 

التصفية

التصفية هي أسهل  طرق الفصل، لدرجة أنه يمكن القيام بها باستخدام أدوات منزلية بسيطة. تُستَخدَم هذه الطريقة في الحياة اليومية لعزل المواد الصلبة عن الماء الذي تم طبخها فيه- المعكرونة، على سبيل المثال.  

تعتمد التصفية على كون  جسيمات الماء الصغيرة قادرة على المرور من خلال ثقوب المصفاة، في حين أنَّ  جسيمات المادة الصلبة كبيرة جِدًّا وتبقى في المصفاة. في حالة المعكرونة، المادة الصلبة هي التي تهمنا، ولكن  في حالات أخرى، يكون السائل أكثر أهميَّة بالنسبة لنا، بحيث أننا نريد تنقيته من المواد الصلبة الكبيرة وإبقاء هذه المواد  داخل المصفاة. حجم ثقوب المصفاة هو الذي يُحدّد المواد التي يمكنها المرور منها والمواد التي تبقى في المصفاة.  

عملية التعقيم هي مثال على الاستعمال  الصناعي للتصفية. في هذه العملية، نحن نريد تنقية المحلول من التلوث البكتيري، لذلك، نقوم  بتمريره من خلال المصفاة. البكتيريا الموجودة في المحلول تبقى داخل المصفاة، في حين أن جزيئات المحلول الصغيرة تمر من خلال ثقوبها. هذه العملية  تسمى، أيضًا، "تصفية- مايكرو"، لأن الحديث يدور عن جزيئات صغيرة نسبيًّا. تستخدم هذه الطريقة للتعقيم عندما يتعذّر إجراء ذلك بطرق أخرى كالتسخين أو الأشعة فوق البنفسجية، خوفًا من تفكّك جزيئات المحلول.  

عندما تكون الجسيمات أصغر ولا يتعدى حجمها 100 نانومتر،  أي أقل من جزءٍ من ألف من المليمتر، تُستخدم العملية التي تُسَمَّى "تصفية النانو".  هذه العملية لا تعتمد على حجم الثقوب، بل على القوى الكهربائية العاملة بين الجزيئات، التي تزداد أهميتها كلما صغر حجم الجزيئات.  تعتبر عملية التناضح العكسي (Reverse Osmosis)، المستخدمة في تحلية المياه، مثالًا على تصفية النَّانو. في هذه الحالة يستعمل غشاء انتقائي يسمح بمرور الماء ويمنع مرور الجسيمات المُذابة. 
 

التقطير

 في عملية التقطير يتم الفصل بين المُكوّنات الموجودة في خليط المواد السائلة بالاعتماد  على الفروق في درجات غليانها. في عملية التقطير البسيطة، يتم غَلْي الخليط وتجميع الأبخرة في وعاء  تكثيف تعود فيه إلى حالتها السائلة. الأبخرة التي تظهر أولاً هي أبخرة المادة ذات درجة الغليان الأقل.  تستمر بعد ذلك عملية الغلي ويتم تجميع أبخرة المادة التالية في وعاء التكثيف، وهكذا دواليك. 

يمكننا أن نعرف زمن توقف غليان إحدى المواد وبداية غليان مادة أخرى في الخليط عن طريق القياس المتواصل لدرجة حرارة الخليط. تتوقف درجة حرارة الخليط عن الارتفاع خلال غليان مادة معينة وتبقى "عالقةً" عند  درجة غليان المادة، ثم تعود للإرتفاع  بوتيرة سريعة . تعتمد عملية تكرير البترول الخام على هذا المبدأ، ولكن  عملية الفصل وفقًا للفروق في درجات الغليان هي مجرَّد عمليَّة أوليَّة،   يتم بواسطتها تجزيء البترول إلى مقاطع - مجموعات مواد ذات نطاقات مختلفة من درجات الغليان.بعد ذلك، تضاف  موادّ كيميائية لتحسين جودة المُستَقطَرات. 

المقاطع الرئيسية التي تنتج عن عملية تكرير البترول الخام هي النافتا، التي تستخدم لإنتاج بنزين  محركات السيارات وكمادة خام لصناعة البلاستيك، الكيروسين الذي يستخدم لإنتاج وقود محركات السيلون، السولار الذي يستخدم لإنتاج وقود لمحركات الديزل والمازوت الذي يستخدم كوقود في محطات توليد الطاقة الكهربائية. 


معامل التكرير في حيفا في بداية سنوات الـ - 50│تصوير: ويكيبيديا

طُرق الفصل الكيميائية 

 طُرق الفصل  الكيميائية بين المواد في المخاليط، مثل الاستخلاص و الكروماتوغرافيا، تعتمد على التأثيرات الكيميائية المتبادلة بين مُكوّنات الخليط، وبتعبير أدق، على الفروق بين شدة التأثيرات المتبادلة بين المُكوّنات المختلفة الموجودة في الخليط وبين مادةٍ أخرى ليست جزءًا من الخليط.  هذه التأثيرات المتبادلة تعتمد على الصفات الكيميائية للمواد التي نريد فصلها. 

الاستخلاص

الاستخلاص عملية كيميائية يتم فيها الحصول على مادة مُذابةٍ من داخل المذيب. يتم في الاستخلاص السائلي استخدام طبقتين من السائل (أو "طوْرَيْن") لا تختلط إحداهما بالأخرى. تنتقل المادة العضوية (أي مركبات الكربون) المُذابة في الطبقة المائية إلى الطبقة العضوية ثم يتم الحصول عليها من الطبقة العضوية، أو بالعكس - أي تنتقل المادة من الطبقة العضوية إلى الطبقة المائية ويتم الحصول عليها من هذه الطبقة. 

أحد الأمثلة على عملية الاستخلاص هو فصل الـ دي. إن. إيه. (D.N.A.) عن الزلاليات (البروتينات) الموجودة في عيّنة بيولوجية.  تُمزَجُ في هذه العملية العينة البيولوجية المائية مع خليط يحتوي على مادتين عضويتين - الفينول والكلوروفورم، ثم يُمرر الخليط الناتج من خلال جهاز الطرد المركزي للفصل بين الطبقة المائية وبين الطبقة العضوية. يوجد  الـ دي. إن. إيه. في الطبقة المائية الخفيفة وتوجد الزلاليات في الطبقة العضوية الثقيلة. 

الفصل اللّوني (الكروماتوغرافيا)

الفصل اللّوني عبارة عن طريقة تستعمل في الكيمياء التحليلية  وتتيح لنا إمكانية الفصل بين المواد وتشخيصها وتحديد كمياتها. لذلك، يكثر استعمال هذه الطريقة في البحث العلمي،  في صناعة الأدوية وفي التشخيص الجنائي. مصدر المصطلح "كروماتوغرافيا" هو الكلمتان "كرومو" (لون) و"غرافيا" (تخطيط). الشخص الذي طوّر هذه الطّريقة  هو عالم نباتات روسي كان يجري بحثًا عن مادة الكلوروفيل التي تُكسِب النباتات لونها الأخضر. عندما قام بعَزل الكلوروفيل نتجت سلسلة من الألوان النموذجية لكل مُكَوّن من مُكوّناته. في الوقت الرَّاهن، تُستَخدَم  هذه الطريقة للفصل بين المواد، بغض النّظر عن لونها. هناك  عدة أنواع من الكروماتوغرافيا، ولكن يوجد  لها كلّها أساس واحد مشترك: الفصل بين مواد خليط مُذاب  في سائل أو غاز، أو هي نفسها عبارة عن سائل أو غاز ، على أساس  تفاعلاتها الكيميائية مع السطح أو الأنبوب الذي يُستخدم في عملية الكروماتوغرافيا. هذا السطح يُسّمى "الطّوْر الثابت". أما  السائل، أو الغاز، الذي تمت إذابة الخليط فيه، والذي نريد الفصل بين مُكَوّناته، فإنه يُسَمَّى"الطّوْر المتحرك". بما أن شدة التفاعلات بين المُكوّنات المختلفة في الطور المتحرك وبين الطور الثابت ليست متساوية، فإنها تتحرك عليه بسرعات مختلفة وتصل إلى أبعاد متفاوتة، الأمر الذي يُمَكّن من الفصل بينها. 

 

الوصف البياني للفصل الكروماتوغرافي بين المواد -  كل "قمة" في الرسم البياني تُمَثّلُ مادةً أخرى│التخطيط: ويكيبيديا
 

هناك نوعان شائعان من الكروماتوغرافيا على السطح: الكروماتوغرافيا الورقية وكروماتوغرفيا الطبقة الرقيقة (TLC - اختصار الكلمات Thin Layer Chromatography). الطور الثابت في الكروماتوغرافيا الورقية هو شريط ورقي دقيق مصنوع من السيليلوز تُقَطَّر عليه قطرةٌ من الخليط.  يتم غمس الشريط الورقي في سائل كالماء أو الكحول. هذا السائل "يتسلق" الورقة صاعدًا إلى أعلى بسبب القوة الشّعرية. عندما يلتقي هذا السائل بالخليط "يسحب" مُكوّناته معه. المكونات التي تتفاعل بشدة مع الورق تتسلق ببُطء، بينما تتسلق المكونات التي تتفاعل بصورة ضعيفة مع الورق بسرعة أكبر. النتيجة النهائية هي نقاط متتابعة،  كل نقطة منها تُمثّل أحد مُكونات الخليط. 

 تعتمد كروماتوغرافيا الطبقة الرقيقة على أساس مشابه، ولكن الطور الثابت فيها هو سطح زجاجي، ورقة من الألومنيوم أو بلاستيك مطلي بمادة ماصَّة،  مثل السيليكا أو الألومينا. هذه الطريقة أسرع وأدقّ من الكروماتوغرافيا الورقية ويكثر استعمالها في الكيمياء العضوية، لفحص درجة نقاء المادة وللفحص الأوَّلي  لكميّة مكونات الخليط. 

 
 
الترجمة للعربيّة: خالد مصالحة
التدقيق اللغوي: خالد صفدي
 

0 تعليقات