جميعنُا نعرفهُ أو نصادفهُ مرّاتٍ عديدةً في الحياة. وقد حُكِيَت رواياتٌ كثيرةٌ عن البكتيريا الخَطِرَة الّتي تعجُّ فيه، وأنّ اللّمسة الصُّغرى إيّاهُ، قد تكونُ رهيبةً. فهو الخطر الأكبر الّذي يتهدَّدُ كلّ آلةٍ، أو جسرٍ، أو شيءٍ مصنوعٍ من الحديد. وأضرارُهُ الكثيرة قد تُكلِّفُ الصّناعة، وأيّ واحدٍ منّا مالاً كثيرًا. تكهُّنُكُم صحيحٌ، فالحديثُ هنا عنِ المادّة البُنيّة المائلة للحُمرة، والمسمَّاةُ صَدَأً.
 

 بالرّغم من الصِّيتِ السَّيِّئِ للصّدأ، فهل خطرَ في بالكم، ذاتَ مرّةٍ، أن تتوقَّفُوا للحظة، وأن تفكِّرُوا في كيفيّو تكوُّنِهِ، وهل بالإمكان منعُ تكوُّنِهِ أوِ انتشاره؟ وكذلك، هلِ الصّدأ خَطِرٌ على الصّحّة فعلاً؟ يتكوَّنُ الصّدأُ عندما يتأكسَدُ الحديد بوجود الماءِ والأُكسجين، الموجودَيْنِ في الهواء الّذي نَتَنَفَّسُهُ دائمًا. ليسَ الحديدُ، عمليًّا، الفِلِزَّ الوحيدَ الّذي يتأكسد، إنّما كلّ فلزٍّ يمكنُهُ أن يمرّ في هذه العمليّة، في هذا المستوى أو ذاك. تنتمي الفضّة والذَّهَب والبلاتين، على سبيل المثال، إلى مجموعة الفلزّات الخاملة، والّتي لا تتأكسد تقريبًا. وفي المقابل، ينتمي الخارصين والنُّحَاس والحديد إلى مجموعة الفلزّات الّتي تتأكسد بسهولة.  تُسمّى عمليّة أَكسَدَة الفلزّات "كوروزيا"، وفي العربيّة (التَّآكُل). الصّدأ حالةٌ خاصّةٌ بالتّآكل، وفيها يتأكسدُ الحديد مُكوِّنًا أُكسِيدَ الحديد. إذًا، لماذا حازَت عمليّة أكسدة الحديد على هذه المكانة الكبيرة، وانفردت عن بقيّة الفلزّات، وحصلت على اسمٍ خاصٍّ بها؟

تفاعلُ تأكسُد - اختزال

الحديدُ، والّذي يُرمز لهُ بالحَرفَيْنِ Fe في لائحة التّرتيب الدّوريّ او قائمة العناصر (اختصارًا لكلمة Ferrum باللاّتينيّة)، هو المعدن الأكثر انتشارًا على سطح الكرة الأرضيّة، ولذلك فهو رخيص نسبةً لمعادِنَ أُخرى. ويتميّز كذلك بصُمودٍ كبيرٍ وقوّةٍ آليّةٍ عاليةٍ جدًّا، حوّلَتْهُ إلى وسيلةٍ ذاتِ شعبيّة كبيرة لبناء الجسور، والمباني، والسُّفُن، والآلاتِ، والسَّيَّارات، وغيرها. لكنّ سلبيّة الحديدِ وَعَدُوَّهُ، على الإطلاق، هو الحديدُ نفسُهُ. الصّدأ أو أكسيد الحديد المتكوِّنُ على سطح الحديد غيرُ قويٍّ مثلَهُ، بل على العكسِ منه، فهو ضعيفٌ وهَشٌّ لدرجةِ أنّه يمكنُ تقشيرُهُ وتفتِيتُهُ باليَدَيْنِ.

 

سلسلة صدئة. صُورًّت هذه الصّورة بواسطة WikipedianMarlith وأُخذت من ويكيبيديا

تُسمَّى العمليّة الكيميائيّة الّتي تَصِفُ تكوُّنَ الصَّدَإِ (تفاعلَ تأكسُدٍ واختزالٍ). في هذه العمليّة، تحصلُ ذرّةٌ أو جزيءٌ على إلكتروناتٍ من ذرّةٍ أو جزيءٍ آخَرَيْنِ. تحدُثُ هذه العمليّة بسبب وُجودِ فَرقٍ في درجة الاختزال القائمة بينَ جُزيئيْنِ أو ذرّتيْنِ في الطّبيعة. كلّما كانت درجةُ الاختزال لذرّةٍ معيّنةٍ أكبرَ، ازدادَت "رغبَتُها" في الحصول على إلكتروناتٍ ( بمعنى أن تمرّ في تفاعل اختزال). ولذلك، إذا حَصَلَت صِلَةٌ بين ذرّتَيْنِ مختلفتَيْنِ، تَنتقِلُ الإلكترونات من الذّرّة ذاتِ درجةِ الاختزال المنخفضةِ إلى الذّرّة ذاتِ درجةِ الاختزال المرتفعة.

بسبب هذه العمليّة، إذا أدخَلنا قضيبًا من الحديد إلى كأسٍ فيها محلولُ أيونات الحديد، وأدخلنا المغنيسيوم إلى كأسٍ أُخرى محتويَةٍ على محلول أيونات المغنيسيوم، فَنَستَطِيعُ بواسطةِ رَبط كِلا الفِلِزَّيْنِ بسِلكٍ مُوصِلٍ، تَكوينَ خليّةٍ كهروكيميائيّة تُمكِّنُ جريانَ إلكتروناتٍ من فِلِزٍّ إلى آخرَ. وبسبب وجود درجة اختزالٍ أكبر للحديد، فَستنتَقِلُ الإلكترونات بشكلٍ تلقائيٍّ (بدون بَذلِ طاقةٍ) مِنَ المغنيسيوم إلى الحديد. ويُقال في هذه الحالة إنَّ المغنيسيوم قد تَأكسَدَ (أعطى إلكتروناتٍ)، وتحوَّلَ إلى أكسيد المغنيسيوم، في حين أنَّ الحديدَ قدِ اختُزِل (أخذ إلكتروناتٍ)، وتحوَّل من أُكسيد الحديد إلى حديدٍ نقيّ(Fe).

في الخليّة الكهروكيميائيّة، يُسمَّى الفِلِزُّ الّذي يعطي إلكتروناتٍ (الأنودا)، ويُسمَّى الفِلِزُّ الّذي يأخذ إلكتروناتٍ(الكاثودا) كما يظهر في الرسم التالي:

 

خلية كهروكيميائيّة مُكوّنة من أنودة مغنيسيوم وكاثودة حديد. الصُّورة مأخوذة من ويكيبيديا.

 

كما يتأكسد المغنيسيوم بسبب وجود مادّة ذات درجة اختزالٍ أكبر، وهي الحديد، كذلكَ يحدثُ تفاعلُ أكسدةِ الحديد بسبب وجودِ أكسجينٍ في الهواء. كما ذُكر في البداية، ومن أجل حدوث عمليّة صدإ الحديد، يجب أن يكونَ بالقربِ منهُ ماءٌ (H2O)، وأكسجين (O2) أيضًا. يحدث تأكسد الحديد على عدّة مراحل، يأخذ الأكسجين خلالها إلكتروناتٍ من الحديد من أجل إنتاج أيونات حديد (Fe+3)، ويتفاعل الماءُ مع أيونات الحديد النّاتجة في سلسلة تفاعلات، حتّى يتكوَّنَ الصَّدأ في النّهاية، أو باسمهِ الكيميائيّ Ferric Oxide, وقانونُهُ الكيميائيّ Fe2O3.

ملخّص تفاعل عمليّة الأكسدة هو :                                      4Fe + 3O2     2Fe2O3      

مسألة قوة

كما ذُكر أعلاهُ، فهنالك عمليّاتُ تأكسُدٍ مماثلةٌ لتأكسُد الحديد تمرّ بها فلزَّاتٌ أخرى، كالألومنيوم مثلاً. لماذا لا نرى عليهِ صَدَأً؟ أو علاماتِ تقشير أو تغيُّر لونٍ في الحالات الأخرى ؟

يكمنُ السَّبب في ذلك، في الصّفات الميكانيكيّة وفي قوّة أكسيد الألومنيوم (Al2O3) مقارنةً بأكسيد الحديد. أكسيد الألومنيوم أكثرُ صلابةً من أكسيد الحديد، ولذا فهو لا ينقشر. لهذا فإنّه يُكوِّن طبقةً فوق الألومنيوم تحميهِ من وصول الأكسجين والماء اللَّذَيْنِ في الهواء، إلى المعدن الموجود تحتهما. وهكذا تتوقّف عمليّة التأكسد في مرحلة مُبكّرة.

تُسمّى هذه العمليّة (كِسَاءً ذاتيًّا (أي منع الأكسدة))، لأنّ أكسيد الألومنيوم نفسَهُ يمنع أكسدة بقيّة الألومنيوم. وفي المقابل، فإنّ أكسيد الحديد متفتِّتٌ ومُتكسِّرٌ، ولذا فإنّه يتقشّر بعد تكوُّنِهِ، ويكشف مناطقَ حديدٍ جديدةً يمكن أن تتأكسد. أضِفْ إلى ذلك أنّ التقشير يزيدُ من مساحة سطحِ الحديد، فهو يُسرِّع عمليّة التّأكسد أكثر وأكثر. لذلك يمكن القول إِنّ صدأ الحديد هو عمليّة تُعزّز نفسَها، ومنذ لحظة بدايتها، تزدادُ وتيرتها مع مرور الوقت.

تلخيصٌ مرحليّ

عمليّة نشوء الصَّدأ مُكوَّنةٌ من ثلاثِ مراحلَ أساسيّةٍ:

  1. يبدأُ الأوكسجينُ والماءُ اللَّذَانِ في الهواءِ بأكسدةِ الحديد في المناطق المكشوفةِ، ويتكوَّنُ الصَّدأ. (Fe2O3)
  2. يتقشَّرُ الصَّدأ المتفتِّتُ، ويُكشَفُ الحديدُ الموجودُ تحتَهُ للأكسجينِ والماءِ اللَّذَيْنِ في الهواء.
  3. يَصِلُ الأكسجينُ والماءُ إلى المناطقِ المكشوفةِ، ويستمرُّ الصّدأُ بالتّكوُّنِ والانتشارِ في الحديدِ حَتّى يتأكسَدَ كُلُّهُ.

 


عمليّة تأكسد الحديد | صورة من الكاتب.

إذًا، ما الّذي يمكنُ عملُهُ ضدّ الصَّدأ؟ 

رأينا كيف أنَّ الصّدأ يضرَّ بجودة الحديد، ولذلك فهو يُهدّد كلَّ مبنًى أو مُكوِّنٍ يحتوي على الحديد. إنْ كان الأمر كذلك، فلماذا نأخذ على عاتقنا خطورة انهيارِ مبانٍ وجسورٍ، أو غرق سُفُنٍ، أو مُجرّد توقّف آلةٍ كهربائيّة عنِ العمل؟ ألا توجد معادنُ أخرى أقوى، وتصمُد أكثر أمام التّأكسد؟ 

الجواب المتوقَّع هو المال بالطّبع. الحديد معدن أرخصُ نسبيًّا من معادنَ قويّةٍ أخرى، تصمُدُ أكثرَ منه أمام التّأكسد، كالتِّيتانيوم مثلاً. وبدل دفع مبالغَ كبيرةٍ جدًّا على التِّيتانيوم، منَ المفضَّلِ الاستثمار بشكلٍ أكثرَ قليلاً، في إيجاد حلولٍ رخيصةٍ لمشكلة صدإِ الحديد.

هنالك حلولٌ تُمكِّن من التّغلب على تكوُّن الصَّدإِ وانتشاره. الطّريقة الأكثرُ بساطةً والأقلّ تكلفةً هي دهنُ الحديد بطلاءٍ زيتيّ، كالذي تُدهَنُ به جدرانُ المدارسِ ورياض الأطفال. هكذا يمكنُ منعُ الماء من الوصول إلى الحديد؛ إذ كما قلنا، بدون ماءٍ لا تحدُثُ عمليّة تكوين الصَّدإ. هذه الطّريقة غير مُكلِفة نسبيًّا، لكنّ سلبيّتها الكبيرةّ أنّها بحاجة إلى صيانةٍ دائمة، أي دَهنٍ من جديد لمنع تقشُّر الطِّلاء. هنالك طرائقُ عديدةٌ ترتكز على مبدإ دهن الحديد، ويمكنُ اعتبارُها جميعُها طرق سلبيّة، بمعنى أنّها طرقُ لا تُحبِط تآكل الحديد بوسائلَ كيميائيّة فعّالةٍ، إنّما تمنع نشوء الظُّروف المطلوبة لحدوث العمليّة. 

هنالك طريقةٌ ذكيّة وناجعة تمنع تآكل الحديد بشكلٍ فعّال تُسمّى حمايةً كاثوديّةً. تعتمدُ هذه الطّريقة على حقيقة أنّ لكلّ مادّة توجد درجة اختزال مختلفة، أي أنّ الإلكترونات تنتقلُ إلى المادّة ذاتِ درجة الاختزال الأعلى. 

كيف تعمل؟ يتمّ إلصاق معدن بالحديد، ولهذا المعدن درجة اختزال أقلّ – عادةً ما تكون هذه المادّة هي الخارصين – ويكون بينهما صلة تساعد في مرور الإلكترونات. عندما يتأكسد الحديد من الأكسجين الموجود في الهواء، فإنّه يخسر إلكتروناتٍ، ولكن بسبب وجود صلة بينه وبين الخارصين، فإنه يُعوِّض إلكتروناتِه المفقودَةَ بإلكتروناتٍ بديلةٍ من الخارصين. في هذه الحالة، يأخذ الأكسجين إلكتروناتٍ بشكلٍ غير مُباشر من الخارصين الّذي يتأكسد ويبقى الحديد دون أيّ ضررٍ. (مثالٌ عن ذلك يمكن رؤيته في الصّورة أدناه). في هذه الحالة يُعطي الخارصين إلكتروناتٍ للحديد، لذا فهو يعمل كأنودا والحديد ككاثودا. من هنا ينبع اسم الطّريقة: الحماية الكاثوديّة أي حماية الحديد (كاثودا). هذه الطّريقة ناجعة وتُستعمَلُ كثيرًا، خاصّةً لحماية هياكِلِ السُّفُن وأنابيب الحديد.  


قطعة خارصين مُلتصقة بهيكل سفينة من الحديد . تأكسدَ الخارصين بينما بقي الحديد دون أيّ ضرر. أُخِذَت الصّورة من ويكيبيديا .

هنالك طرائقُ كثيرةٌ، مُتنوِّعةٌ ورخيصةٌ نسبيًّا، والّتي تمنَعُ بشكلٍ ناجِعٍ تكوُّنَ الصَّدإ على الحديد، وبفضلها يبقى الحديد اليومَ أيضًا، المعدنَ الجذّاب والأكثر انتشارًا في الصِّناعة.

من الجدير ذكرُه، أنّ الحديد الّذي نراه في الحياة اليوميّة، لا يكونُ بشكله النّقيّ، إنّما خليطًا مع موادَّ أُخرى. على سبيل المثال، إدخالُ نسبةٍ قليلةٍ منَ الكربون (C) إلى داخل الحديد يجعلُهُ يُصبِحُ فولاذًا، وهو أقوى بكثيرٍ من الحديد في شكله النّقيّ، بالرّغم من أنّه، أيِ الفُولاذ، لا يقي من التّآكُل أيضًا. في المقابل، إذا دمجنا الحديدَ مع معادنَ أُخرى كالنِّيكِل (Ni) أو الكروم (Cr)، فإنّنا نحصل على النِّيرُوستا الشَّهيرة (Stainless steel أو الفولاذ الّذي لا يصدأ)، ومنها تُصنَعُ مُعظم القُدُور وآنياتُ الطَّعام. وعلى العكس من الفولاذ، فالنّيرُوستا صامِدَةٌ جدًّا أمام التّآكُل، لكنَّ سعرها مُرتفعٌ أيضًا.

إذًا، عندما تَرَوْنَ صدأً في المرة القادمة، فلا تنذهلوا وتهربوا إلى الجانب الآخر من الشَّارع. قِفُوا بِبَساطةٍ للَحظَةٍ، وخصِّصُوا وقتًا قصيرًا للتّعجُّب منها؛ فها أنتم تعايِشُونَ تفاعل التّأكسد والاختزال الفعَّال في الطّبيعة. من أجل إزالة الشّكّ، وخلافًا لِمَا يَظُنُّهُ الكثيرون، فالصَّدأ ليس سببَ العدوى ببكتيريا التِّيتانوس، لأنّ هذه البكتيريا تتواجد عادةً في التّربة بشكلٍ خاصٍّ، وفي رَوثِ الحيوانات، وليس في الصّدإ. لذلك كُلُّ جرح بواسطة أداةٍ حادّة ومُتّسخةٌ كانت على صِلَةٍ بالتُّربة، قد يؤدِّي بالمدى نفسِهِ إلى العدوى، سَواءٌ أكانَ صَدَأً أم لا.

0 تعليقات