تعتمد طريقة جديدة لجمع المياه من الهواء على مجموعة من المبادئ المأخوذة من عالم النباتات والحيوانات.

تعيش خنافس الصحراء الناميبية، كما يوحي اسمها، في الصحراء. هذه الخنافس طوَّرت طريقة مثيرة للتغلب على نقص المياه في الصحراء. فهي تشرب قطرات الماء المتكاثفة على ظهورها، عن طريق أبخرتها في الهواء. وعلى الرغم من أنها لا تبدو طريقة فعالة للغاية، لكن الخنفساء تنجح في الحصول على كمية الماء اللازمة لها - يتضح أنها تفعل ذلك بفضل التصميم الخاص لسطح ظهرها، المُعد لإنتاج قطرات كبيرة من الماء بسرعة عالية. هذا التصميم، قد يُساعِدُنا،  أيضًا، على تطوير أنظمة فعالة لتكثيف المياه والعديد من السوائل الأخرى.

لماذا نودّ، فعليًا، القيام بتكثيف الماء؟ يعد فهم عمليات التكثيف والتحكم فيهاأمرًا مهمًا في العديد من العمليات الصناعية، مثل تكييف الهواء، تقطير السوائل، تحلية المياه وحتى توليد الطاقة في محطات الطاقة. بالطبع، هناك، أيضًا، هدف آخر تقوم الخنفساء من أجله بفعل ذلك: جمع الماء من الهواء. في بعض الأماكن في العالم، تُعتبر تلك الطريقة مهمة جدًا من أجل الحصول على مياه معدة للشرب. حاول العديد من الباحثين تطوير أسطح صناعية تكثف الماء بسرعة وبكفاءة عالية، وقد قام معظمهم بالتركيز على التركيب الكيميائي للسطح.

اختار كيو تشول بارك (Park)، وغيره من الباحثين من جامعة هارفارد في الولايات المتحدة الأمريكية، طريقة أخرى من أجل تقليد ما أنتجته الطبيعة بالفعل. لقد فحصوا الجزء الخلفي (الظهر) لخنفساء الصحراء ولاحظوا أنه مغطى بالمطبات (النتوءات)، وهي نوع من أنواع القبب يبلغ قطرها حوالي ملِّيمترواحد. في مقال نُشِر في مجلة المقالات العلمية Nature، أفاد بارك وزملاؤه أنهم قاموا ببناء مثل هذا السطح الوعر (ذي  المطبات) من الألمنيوم وأظهروا أن قطرات الماء التي نشأت عليه تزداد بمعدل أسرع بست مرات من تلك التي على السطح الأملس. القطرات الناتجة على سطح ذي  نتوءات هي أيضًا أكبر.

كانت الخطوة التالية هي ضمان التجميع السريع للقطرات، بحيث يمكن إزالة المطبات لتشكيل قطرات إضافية. لهذا الغرض، أيضًا، استخلص الباحثون الإلهام من عالم الطبيعة؛ هذه المرة من النباتات.

يواجه الصبار مشكلة شبيهة جدًا بتلك التي تواجهها الخنافس. الصَّبار،أيضًا، بحاجة إلى المياه في الصحراء، وهو،أيضًا، يقوم بجمع الماء من الهواء. أحد العوامل التي تساعد في إتمام ذلك هي بنية أشواكه  - كل شوكة مبنية على شكل مخروط يتسع في قسمه القريب من جسم الصبار نفسه. لقد أظهرت الدراسات السابقة أن هذا المبنى يستغل قوى التوتر السطحي التي تعمل على الماء، الأمر الذي يتيح الجمع الفعال للقطرات المتراكمة على الشوك. استخدم بارك وزملاؤه هذه المعرفة عندما قاموا ببناء "زُّحلُوقة" على  أحد جوانب المطبات الخاصة بهم، ، والتي تتسع في أسفل المطب

من المؤكد أنّ التجمع السريع للقطرات بحاجة لوجود سطح زلق. تحقيقًا لهذه الغاية، استخدم الباحثون طلاءً طوره المختبر نفسه مِن قبل ، كمحاولة لتقليد نبتة أخرى: النابنط (Nepenthes)، وهي من النباتات اللاحمة وتتغذى على الحشرات التي تقع في مبانٍ خاصة، على شكل إبريق (ومن هنا جاءت تسميتها). تم تغليف الجزء الداخلي من الإبريق بمادة زلقة بشكلٍ خاص، تمنع الحشرات من التسلق والهروب نحو الخارج. تعتمد المادة على بنية مجهرية، في داخلها العديد من الثقوب التي يوجد عليها، وفي داخلها، سائل - مزيج من الرحيق ومياه الأمطار. "يحبس" المبنى السائل ويكون مبتلًا وزلْقًا بشكل دائم. بناءً على مبدأ طلاء النابنط، طور الباحثون طلاءً تندمج في داخله ألياف رقيقة جِدًّا (ألياف نانوية) من التفلون أو راتنجات اصطناعية، من أجل تشكيل البنية المثقوبة التي تحمل المُزَلِّقات الدهنية في داخلها.  تغطية السطح بهذه المادة ساهمت في انزلاق القطرات، من خلال النتوءات، بسرعة .

لقد قام الباحثون بإنشاء سطح مكثف وجامع لقطرات الماء، بسرعة وكفاءة عالية، وذلك بالاستناد على الخصائص الفيزيائية الموجودة في الطبيعة - لدى  الخنافس، الصبار والنابنط. في الوقت الرَّاهن ، نحن نتحدث عن مجرد دراسة أساسية مُصممة لإثبات إمكانية استخدام هذه الطريقة. يأمل الباحثون أن يتمكنوا في المُستقبل من استخدام  المبادئ التي قاموا بالكشف عنها، في تصنيع، أو إنتاج، مياه الشرب في المناطق الصحراوية.

هذه الطريقة في مراقبة الطبيعة وتقليد بعض الخصائص الموجودةفيها، تُسَمَّى المحاكاة الحيوية (Biomimetics "تقليد الطبيعة")، وقد اكتسبت المزيد من المتابعين في السنوات الأخيرة. يمكننا القول إن  الباحثين، بمساعدة هذه الطريقة، يحاولون دراسة كيفية حل المشاكل التي نحاول نحن حلها، وما الذي يمكن تعلمه من هذه الحلول. على سبيل المثال، يدرس بعض الباحثين كيفية التصاق ذوات الصدفتين بالصخور، لغرض تطوير مواد لاصقة قوية مقاومة للماء، كما يفحص الباحثون  كيفية تنظيم النمل الأبيض لدرجة الحرارة داخل العش، لغرض بناء المباني التي لا تحتاج إلى تكييف الهواء. في المستقبل القريب، ربما نسمع عن العديد من التقنيات الأخرى التي تستخدم حلولاً موجودة حولنا بالفعل، لكننا، في أكثر الأحيان،لا نعرفها.

 

 

الترجمة للعربيّة: بنان مواسي
 

 

0 تعليقات