ما هو الشيء المشترك بين الرمل والماس وقلم الرصاص؟ ما هو المبنى الجسيمي لملح الطعام؟ لماذا من السهل تسحيب الفلزات؟ إنها الميزات الخاصة والأربطة التي تُكوّن الجزيئات الكبيرة المحيطة بنا.

الذرات في الطبيعة لا تكون منفردة أبداً، بل تكون مترابطة فيما بينها فتكوّن جزيئات أو مبانٍ ضخمة.
كثير من الجزيئات الصغيرة التي نعرفها تحتوي على عدد صغير من الذرات، مثل جزيء الماء المُكوّن من ثلاث ذرات: ذرتين من الهيدروجين وذرة واحدة من الأكسجين مربوطة فيما بينها، أو جزيء الأكسجين المُكوّن من ذرتين فقط. ولكن الذرات ترتبط ليس فقط لتكوين جزيئات، بل تكوّن كذلك مبانٍ ضخمة تتجمع فيها أعداد كبيرة جداً من الذرات لتصبح وحدة كبيرة تسمى مبنى جزيئيا ضخما.  

هناك ثلاثة أنواع من هذه المباني:

كالرمل على شاطئ البحر

النوع الأول من المباني الضخمة هو المبنى الذري، ويسمى أيضاً المبنى التساهمي (الكوفلنتي)، إذ ترتبط أعداد كبيرة من الذرات فيما بينها برابطة تساهمية (كوفلنتية): الرابطة التي تتكوّن عندما تتشارك ذرتان متجاورتان بالإلكترونات.  بمقدور هذه الأربطة تكوين مبانٍ ضخمة في الطبيعة - فالرمل و الماس والجرافيت هي أمثلة لمواد طبيعية ذات مبانٍ ذرية. يتكون الرمل الذي نعرفه من مادة السيليكا (ثنائي أكسيد السيليكون). تحتوي كل حبة من الرمل على ذرات سيليكون وذرات أكسجين كثيرة متصلة فيما بينها مكونة شبكة ثلاثية الأبعاد. تكون كل ذرة سيليكون في هذا المبنى مربوطة بأربع ذرات أكسجين في مبنى رباعي السطح، في حين ترتبط كل ذرة أكسجين بذرتَيْ سيليكون. 


الشكل مأخوذ من: Shutterstock/magnetix كل كرة زرقاء – ذرة أكسجين، كل كرة بنفسجية – ذرة سيليكون

ويشبه مبنى الماس مبنى ثنائي أكسيد السيليكون كثيراً، غير أن جميع الذرات في الماس هي ذرات كربون. ترتبط كل ذرة كربون مع أربع ذرات كربون أخرى في مبنى رباعي السطح. 


  الصورة من: Shutterstock/Potapov Alexander

توجد إلكترونات الرابطة التساهمية بين ذرتَيْ الكربون المترابطتين فيما بينهما، وهي، أي الإلكترونات، مجذوبة إلى الذرتين ولذلك تكون حركتها وتنقلاتها مقيدة جدّا. لهذا السبب الماس هو غير موصل للتيار الكهربائي.  حساب بسيط يبين لنا أنه في قيراط واحد (200 ميليغرام) من الماس توجد 1023 ذرات كربون.

ويختلف مبنى الجرافيت - المادة التي تصنع منها حشوة قلم الرصاص - كثيراً عن مبنى الرمل والماس. يتكون الجرافيت من ذرات كربون أيضاً، ولكن الذرات تنتظم في حلقات سداسية وتكوّن طبقات الواحدة فوق الأخرى. تبدو كل طبقة كمقطع من خلية النحل. ترتبط كل ذرة كربون بثلاث ذرات كربون أخرى في الحلقة السداسية، فتشارك ثلاثة من إلكتروناتها في ثلاث روابط تساهمية، بينما يبقى الإلكترون الرابع الموجود في مستوى الطاقة الخارجي للذرة حرّ الحركة والتنقل بين الطبقات. لذلك يوصل الجرافيت التيار الكهربائي، بخلاف الماس.


التخطيط من: Shutterstock/science pics

تكَوّن الإلكترونات حرّة الحركة روابط ضعيفة بين الطبقات، مما يُسَهّل استعمال الجرافيت للكتابة: عند الكتابة على الورقة بقلم الرصاص تنفصل الطبقات عن بعضها ويبقى قسم منها على الورقة. تؤثر الطريقة التي تتكون فيها مباني هذه المواد على صفاتها. فالماس، مثلاً، هو مادة قاسية جداً، بينما الجرافيت ليّن، وذلك على الرغم من أن كليهما مكوّن من ذرات كربون فقط.

 

 

المواد الأيونية

النوع الثاني من المباني الضخمة يسمى المواد الأيونية. ملح الطعام هو مثال لمادة ذات مبنى أيوني تحتوي على أيونات كلور وأيونات صوديوم كثيرة مترابطة فيما بينها. ما هو الأيون؟ إنه عبارة عن ذرة مشحونة كهربائياً. كل ذرة كلور ينقصها إلكترون واحد لتعبئة مستوى الطاقة الإلكتروني الخارجي، بينما يوجد إلكترون واحد فقط في مستوى الطاقة الإلكتروني الخارجي لذرة الصوديوم. عندما ينتقل الإلكترون من مستوى الطاقة الخارجي التابع لذرة الصوديوم إلى مستوى الطاقة الخارجي التابع لذرة كلور تتكوّن أيونات.

عندما تحصل ذرة الكلور على إلكترون إضافي تتحوّل إلى أيون سالب. وعندما تخسر ذرة الصوديوم إلكتروناً لصالح ذرة كلور، تتحوّل ذرة الصوديوم إلى أيون موجب. تتجاذب الأيونات الموجبة والسالبة إلى بعضها البعض فترتبط مُكَوّنة مبنى ضخما ثلاثي الأبعاد من الأيونات الموجبة والسالبة بالتناوب. تسمى الروابط بين الأيونات الروابط الأيونية.

كل حبيبة من ملح الطعام هي في الواقع مبنى ضخم تنتظم فيه أيونات الصوديوم الموجبة وأيونات الكلور السالبة.

التخطيط من: Shutterstock/Vasilyev; كل كرة بنفسجية – أيون صوديوم +Na، كل كرة صفراء –  أيون كلور، -Cl

توجد للمواد الأيونية درجات انصهار عالية بسبب الروابط الأيونية القوية. فمثلاً، درجة انصهار ملح الطعام هي 801 درجة مئوية (سيلسيوز).

المواد الفلزية

النوع الثالث من المباني الضخمة هو المواد الفلزية. في هذا المبنى تكون الإلكترونات التي في مستوى الطاقة الأخير لكل ذرّةِ فلزٍّ حُرّةَ التحرك بين ذرات الفلز في المبنى الضخم، ولا تكون محددة الموقع بجانب ذرة معينة. يُكوّن ذلك "بحراً" من الإلكترونات حرة الحركة وهي في الوقت ذاته "صمغ" يلصق أيونات الفلز ببعضها البعض. تتكوّن الرابطة الفلزية نتيجة التجاذب بين هذه الإلكترونات حرة الحركة ذات الشحنة الكهربائية السالبة، وبين الأيونات موجبة الشحنة الكهربائية لذرات الفلز والتي تبقى مثبتة في أماكنها. توصل الفلزات التيار الكهربائي جيداً بسبب حركة الإلكترونات الحرة في المادة.

الصفة الثانية التي تمتاز بها الفلزات هي امكانية تغيير شكلها عند التأثير عليها بقوة معينة، وذلك يجعل تصميم أشكالها وتسحيبها ممكناً. ترتبط هذه الصفة هي الأخرى بالمبنى الفلزي: عند التأثير بقوة ما تنزلق أيونات الفلز الواحد بجانب الآخر وتتحرك من مكان إلى آخر في المبنى الضخم، ولكن "بحر" الإلكترونات الحرة في المادة يبقى لاصقاً فيما بينها.

الشكل من: Shutterstock/Andris Torms; كل كرة حمراء - أيون بوتاسيوم, +K; بين أيونات البوتاسيوم "بحر" الإلكترونات الحرة

 

شكراً لروتي شتانجر على المساعدة في كتابة المقالة.
الترجمة للعربيّة: خالد مصالحة

 

0 تعليقات