ستمنح جائزة نوبل في الكيمياء لعام 2020 إلى إيمانويل شاربنتييه وجنيفر دودنا لدورهما في تطوير طريقة مبتكرةٍ للتعديل الجيني - كريسبر

أعلنت لجنة نوبل ظهر اليوم عن الفائزات بجائزة نوبل لعام 2020 وهذه المرة منحت الجائزة لاكتشاف طريقة التعديل الجيني كريسبر. وحاز على الجائزة كلٌّ من إيمانويل شاربنتيه (Charpentier) وجنيفر دودنا (Doudna).

 

المنظومة التي غيّرت قواعد اللعبة

نظام كريسبر CRISPR (التكرارات العنقودية المتناظرة القصيرة منتظمة التباعد) - هو جهاز مناعي ضد الفيروسات تم اكتشافه في البكتيريا من نوع E-Coli في نهاية القرن الماضي وبداية القرن الحالي. يستخدِم النظام تسلسلات قصيرة من الحمض النووي الريبوزي RNA والعديد من البروتينات التي تتعرف على أجزاء من المادة الوراثية (DNA) للفيروسات وتحددها ثم تقوم بتقطيعها. نظام كريسبر تكيُّفيّ - أي أنّه قادرٌعلى التعلّم - حيث يتم استيعاب أجزاء من المادة الوراثية للفيروس بعد تقطيعها في بناءِ المادة الوراثية للبكتيريا وتُستخدم لإنتاج قطع قصيرة من الحمض النووي الريبوزي RNA التي تلعبُ دورًا مركزيًا في الحماية من الهجمات الفيروسيّة اللاحقة.

بدأت ثورة كريسبر في بداية العقد الحالي، تحديدًا في عام 2011، حين أظهر كلٌّ من  فيرجينيوس سيكسنيس (Siksnys) من جامعة فيلنيوس في ليتوانيا وفيليب هورفاث (Horvath) من شركة Danisco للأغذية من خلال أبحاث أجرياها، أن كريسبر يعملُ كنظام مستقل، بحيثُ أنّه بالإمكان نقل أنظمة كريسبر من نوع واحد من البكتيريا إلى نوع آخر. بعد عام ، استطاع الاثنان الكشف عن آلية عمل نظام كريسبر، وأثبتا أنه من الممكن برمجة النظام لقطع تسلسلات محدّدةٍ من الحمض النووي DNA، وذلك عن طريق إدخال تسلسلات RNA مطابقة. في ذلك الشهر بالضبط، نشرت شاربنتييه ودودنا مقالهن والذي أظهر بأنّهن قد تقدّمتا من خلال بحثهما خطوة أخرى نحو الأمام. حيث ربطنَ جزيئي RNA بجزيء آخر (يسمى sgRNA) وبالتالي استطاعتا تحويل نظامٍ مرهقٍ متعدد المكوّنات إلى نظام سهل الاستخدام مكوّنٍ من جزئين فقط. تمّ تبنّي النظام البسيط الذي طوّرتاه، والذي تم استخدامه للتعديل الجيني في البكتيريا، من قِبل العلماء في جميع أنحاء العالم، ويستخدم الآن للتعديل الجيني في جميع أنواع الكائنات الحية.

 

المرشح المفقود

سُئلت شاربنتييه اليوم عمّا إذا كانت قد توقّعت الفوز بالجائزة، وقد كان هذا الفوز منتظرًا عالميًا منذ عدة سنوات. كان ردّها أنه بعد أن تمّ نشر مقالها في أكثر المجلات العلمية المرموقة احترامًا، Nature and Science، فقد كان من الجليِّ بأن اكتشافًا فريدًا كهذا قد يرقى لأن يفوز بجائزة نوبل. ومع ذلك، صرّحت شاربنتييه بإنه، وعلى الرغم من فوزها بالعديد من الجوائز في الماضي، فقد فاجأها فوزها بنوبل اليوم وكان من الصعب عليها تصديق ذلك.

كما وقد توجّه أحد الصحفيين بسؤالٍ لرئيس لجنة جائزة نوبل كلاوس جوستافسون، حول إذا كانت اللجنة قد اقترحت منح الجائزة لمرشحين آخرين عملوا في ذات المجال. وكان ردّ كلاوس بأن هذا سؤالٌ يمتنعون من الإجابة عليه عادة، وأردف بقوله بأنَّ هذا مجال واسعٌ وبأنّ فيه الكثير من الأبحاث الجيّدة التي تُجرى فيه. في الحقيقة، لم يتم طرح هذا السؤال مصادفةً وبشكلٍ عفوي. ففي السنوات الأخيرة، دارت معركة قانونية حول براءة اختراع كريسبر بين دودنا و شاربنتييه من طرف و فينغ جانغ (Zhang) على الطرف الآخر. حيثُ طوّر الأخير تقنية لاستخدام كريسبر في الحيوانات والبشر وساد توقع بين العلماء بأنه قد يشاركهم الجائزة على تطوير هذه التقنيّة، خاصةً وأنه قد أسهم بشكلٍ كبير في تيسيرها ونشرها للمجتمع العلمي بأكمله. علاوة على ذلك، فقد كان فيليب هورفاث هو من اكتشف الدور البيولوجي لنظام كريسبر في البكتيريا ولذلك فقد كان من المتوقع بأن تكون له حصّة في جائزة اليوم.

 

من العلوم الأساسية إلى العيادة

سُئلت شاربنتييه لاحقًا "متى أدركت حجم الفائدة التي يمكن لاستخدام هذه الأداة تحقيقها؟"، وقد أجابت بأن الاستخدام والتطبيق العملي لهذا النظام كان جزءًا أساسيًا منذ بداية حياتها المهنية. ووصفت عددًا من الأدوات الجينية التي طورتها لتلائم الباكتيريا المكوّرة العنقودية الذهبية S.Aureus، وأخرى طوّرتها لاحقًا لتوليد الفئران المعدلة وراثيًا -المستخدمة في العديد من الأبحاث العلميّة-. كان هدفها من وراء ذلك هو تشجيع ودعم أبحاث مسببات الأمراض الجلديّة، وفي هذه الحالة الأبحاث التي أجريت على الباكتيريا العِقْديّة المقيِّحة S.Pyogenes والتي تستهدف الجلد والجهاز التنفسي. درست شاربنتييه بروتينات الحمض النووي المرتبطة بالنوكلياز -وهوانزيم يحفز تحلّل ال DNA-، من أجل فهم كيفية معالجة هذه البكتيريا. وتؤكّد شارنتييه أنها أرادت دائمًا تطوير نماذج وراثية تجعل من الممكن فهم الأمراض البشرية بشكل أفضل. سلّط العمل على كريسبر الضوء في البداية على الباكتيريا، ولكن نظرًا لكونه علمًا أساسيًا للغاية،  فقد كان من المتوقع أن تكون له استخدامات في أبحاث الجينات وتعديلها. بفضل نظام كريسبر الواعد، فإن الحلم بإيجاد علاج للبشر بدأ في وقتٍ مبكر جدًا من عملية البحث.

يُستخدم كريسبر اليوم بالفعل في مجموعة متنوعة من الدراسات: بدءًا من محاربة البعوض، مرورًا بمكافحة السمنة ومرض السكري لدى الفئران، وحتّى الهندسة الوراثية في بني البشر، كما حدث - على ما يبدو - في الصين العام الماضي. بدأت هذا العام أول تجربة سريرية، أي تجربة تجرى على البشر، باستخدام كريسبر في محاولةٍ لعلاج سرطان الرئة.

يُستخدم نظام كريسبر أيضًا في محاولات لإنتاج لقاحات مبتكرة، وقد تم سؤال شاربنتييه عن الاستخدام المحتمل للنظام  في إنتاج لقاح لكوفيد - 19. وقد أجابت: "تتوفر اليوم عدّاتٌ مبتكرةً على أساسِ مبدأ كريسبر والتي بإمكانها اكتشاف ورصد للفيروس". "في هذه المرحلة لا أرى إمكانية استخدام كريسبر كلقاح بشكل مباشر. ولكن بشكل غير مباشر يمكن استخدام تقنية كريسبر لدراسة التركيب الجزيئي للفيروس، مما سيسمح في النهاية بتطوير لقاح ناجع."
في الواقع، يتم استخدام كريسبر اليوم في محاولات لإنتاج بروتينات الفيروس داخل الباكتيريا، وبالتالي عزلها والبحث عنها بكفاءة أعلى. بالإضافة إلى ذلك، يمكن أيضًا استخدام هذه التقنية في الإنتاج الضخم للبروتينات الفيروسيّة، في حالة الحاجة إلى دمجها ضمن اللقاح.

 

رسالة ايجابية للمرأة

فازت شاربنتييه و دودنا معًا بجائزة وولف في وقت سابق من هذا العام ، والتي "تتنبّأ" في كثير من الحالات - كما في هذه المرة أيضًا -  بالفائزين بجائزة نوبل. هذه هي المرة الأولى التي تفوز فيها امرأتان بجائزة نوبل في العلوم معًا، دون أن يتقاسمها رجل معهما. قالت شاربنتييه تعقيبًا على ذلك بإنها تأمل أن يبثّ فوزهما هذا رسالةً إيجابية للفتيات والشابات المهتمات للخوض في المسار العلمي. كما وأضافت بأنَّ الجائزة في نظرها، تثبتُ أنّ النساء قادرات على التأثير على الكثيرين وتلقيّ التقدير على عملهن الدؤوب. إن منح الجائزة لكليهما معًا دون مشاركةٍ ذكوريّة ينقل بالفعل رسالة قوية للغاية.

هذا ويُذكر بأن جائزة نوبل في الكيمياء للعام الماضي كانت قد مُنحت لثلاثة علماء من الولايات المتحدة واليابان حيث تقاسم الجائزة بالتساوي كلّ من البروفيسور جون بانيستر جودينو والبروفيسور مايكل ستانلي ويتنغهام والبروفيسور أكيرا يوشينو، لتطويرهم بطاريات أيونات الليثيوم، والتي أصبحت أداةً رئيسيّةً في حياتنا، تشغل مجموعة كبيرة من الأجهزة الإلكترونية والكهربائية، من الهواتف الذكية وأجهزة الكمبيوتر المحمولة وحتى السيارات الكهربائية.


الحائزتان على جائزة نوبل في الكيمياء 2020 جنيفر دودنا وإيمانويل شاربنتييه.| رسم توضيحي: موقع جائزة نوبل

 

 

 

 

الترجمة والتحرير: رقيّة صبّاح أبو دعابس

 

 
 

 

 

 

0 تعليقات