علَّمَنَا الفيلسوفُ وعالم الرّياضيّات رينيه ديكارت (1650-1596) أنّنا نستطيعُ أن نفكّر في مَسائلَ في المستوى، على أنّها مسائلُ "جبريّة" (أي أنّها مُرتكزة على مُعادلاتٍ ومجاهيل)، والعكس صحيحٌ. إحدى هذه الأدوات الأولى الّتي نتعلّمها لِوَصفِ الأجسام في المستوى (كالدّوائر والمثلّثات) تُسمَّى "الهندسة التّحليليّة"، والّتي مِن خلالها نحوّلُ مسألةً في المستوى (أي، رسمًا بيانيًّا) إلى صياغةٍ جبريّة (أي، هيئة معادلات). مثال على ذلك، هو البُرهان الثّاني لفرضيّة طاليس الّذي عُرض هنا سابقًا.

ننظرُ هذه المرّة إلى حالة عكسيّة. نأخذُ مسألةً من نظريّة الأعداد (هذه المرّة ليسَت من مجالِ الجبر)، ونوضِّحُها بصورةٍ محسوسة في المستوى. المسألةُ الّتي سَنتناولها، هي العلاقة بين جَمعِ أعدادٍ فرديّة ومربّعاتٍ صحيحة.

نبدأُ بالتّعريفات طبعًا: العددُ الطّبيعيّ s يُسمَّى مربّعًا صحيحًا، إذا وُجدَ عددٌ طبيعيّ n بحيثُ إنّ-s=n2العددُ الصّحيح r يُسمَّى عددًا فرديًّا، إذا وُجد عددٌ صحيحٌ m، بحيثُ إنّ: r=2m+1.

ننتبِهُ إلى أنّهُ إذا جَمَعنا أعدادًا فرديّة بحسبِ التّرتيب، ابتداءً من 1، يحدُثُ شيءٌ مُثيرٌ للاهتمام:

12=1=1

22=4=1+3

32=9=1+3+5

42=16=1+3+5+7

52=25=1+3+5+7+9

إذًا، نَصوغُ فرضيّة عامّة ونبرهنها، بواسطة طريقةٍ تُسمَّى الاستِقرَاء. بعد ذلك، سَنفهَمُ بواسطة رسمٍ بيانيّ في المستوى، لماذا تُعتَبَرُ الفرضيّة صحيحةً؛ ويمكننا أن نفهمَ كذلك، بصورةٍ أفضلَ، كيفَ عَمِلَ البُرهانُ بالاستقراء.
إذا كنتُم لا تعرفون طريقةَ الاستقراء، فلا تنذهلوا! ما يجعلُ الفهمَ الهندسيّ (بواسطة الرّسم) أمرًا رائعًا، هو أنّه لا حَاجةَ لفهمِ البُرهان الجبريّ كي نفهَمَ الفرضِيّة. لذلك، يمكِنُ قراءة نصّ الفرضيّة والانتقال مباشرةً إلى الفقرة الّتي بعد البرهان، من دون قراءةِ البُرهان بتاتًا.

الفرضيّة: كلّ عددٍ مِنَ الصُّورة: 2m+1)+...+9+7+5+3+1) هو مربّعٌ صحيحٌ.

البُرهانُ بِالاستِقراء 

نُبرهِنُ بدايةً أنّ المساواة صحيحةٌ لكلّ m طبيعيّ (صَحيح مُوجَب):

m+1)2=(2m+1)+...+9+7+5+3+1)

من هذه المساواةِ، نَستنتِجُ الفرضيّة على الفور، لأنّه مِنَ الواضِحِ أنّ: 2(m+1) هو مربّعٌ صَحِيحٌ.

يوجَدُ لدينا أساسٌ لِلِاستقراء (رأينا أعلاه، أنَّ المساوة صحيحَةٌ لكلّ m=0,1,2,3,4). ننتقلُ الآنَ لخُطوةِ الاستقراء: نفتَرِضُ أنَّ المساواة تتحقَّقُ لِـ m، ونبرهن أنّها تتحقَّق لِـ m+1:

m2+4m+4=9י=2(m+1)+1)2=(m+2))

m2+2m+1+(2m+3)=(m+1)2+(2m+3)=(2m+3)+(2m+1)+...+ 9+7+5+3+1

وهو المطلوبُ إثباتُهُ..

اِنتبهوا إلى أنّنا في المساواةِ الأخيرة، قدِ استعملنا افتراضَ الاستقراءِ، وكذلِكَ غيّرنا ترتيبَ المضافات.

التَّفسيرُ الهندسِيّ 

نحاوِلُ الآنَ فَهمَ ما حدثَ بواسطة التّطبيق الّذي قمتُ بتحضيرِهِ.

(الضَّغطُ على التّطبيق يقومُ بفتحِهِ في صيغة HTML، اضغطوا هنا لِصيغة جافا) 


تمّ إِنشاؤُهُ بواسطة جيوجبرا

يمكنُ وَصفُ عددٍ، وهو مربّعٌ صحيحٌ، كمساحةِ مربّعٍ في المستوى، حيثُ يكونُ طولُ ضلعه عددًا صحيحًا (المربّع باللّون الزّهري في التّطبيق). يمكنُ وَصفُ العددِ الفرديّ كمساحةٍ شكلٍ يُرى مثل الحرف ר' (ريش بالعبرية) في المستوى (اُنظرِ الشَّكل باللَّون الأزرق). اِنتبهوا إلى أنّ ال- ר' مركبّة من عمودٍ وسطر بالطّول نفسِهِ، وكذلك مِن مربّع منفردٍ في الزّاوية اليُمنى العليا، ولذلك فمساحتُهُا (أي مساحة الرّاء العبريّة) تكونُ دائمًا عددًا فرديًّا. انتبهوا أيضًا إلى أنّ مقاساتٍ مختلفةً للحرف ר'، تعطي كلّ عددٍ فرديٍّ مُوجبٍ نُريدُهُ.

فماذا نعملُ نحنُ إذًا، بشكلٍ فعليّ، عندما نجمعُ أعدادًا فرديّة؟ نحنُ نلوِّنُ مربّعًا واحدًا صغيرًا، وبعده الشّكل ר' المركّب من ثلاثة مربّعات متساوية، ومِن ثَمَّ الشكل ר' المركّب مِن خمسةِ مربّعات متساوية، وهكذا. مِنَ الواضح الآنَ، لماذا نحصل دائمًا على مجموعٍ هو مربّع، فَبعدَ كلّ خطوةٍ، نحنُ ننتهي من تلوينِ مربّعٍ واحدٍ كبيرٍ تمامًا! بالمناسبة، بالنّسبة للمرحلة الّتي يوجد فيها لدينا مربّع مرسومٌ، ومِن ثَمَّ نرسُمُ ר' إضافيّة، يُمكن التّفكير فيها على أنها خطوةُ استقراءٍ (حاولوا عَمَلَ ذلك في التّطبيق).

هل تعرفونَ حالاتٍ أخرى، يكون فيها الفهمُ سهلاً عندَ رَسمِ المسألة، أكثرَ مِن صياغتها بواسطةِ معادلاتٍ؟ 

0 تعليقات