السّؤال الأساسيّ: هل لدى خلايا الدّم البيضاء القدرة على الخروج من مجرى الدّم واختراق الأنسجة الطلائيّة (Epithelium) متعدّدة الطّبقات كتلك الّتي تغطّي أعضاء معيّنة في الحلق؟


مرحبًا يرين،

العمليّة الّتي سألتَ عنها هي جزء لا يتجزّأ من الاستجابة الالتهابيّة. خلال العمليّة الالتهابيّة، تقوم خلايا الجهاز المناعيّ، وهي خلايا الدّم البيضاء الّتي تطرّقت إليها في سؤالك، بالخروج من مجرى الدّم واختراق الأنسجة. عندما تصل الخلايا إلى الأنسجة، تقوم بتنشيط العمليّة الالتهابيّة بواسطة تحديد مُسبّب الالتهاب (على سبيل المثال, البكتيريا الغازِية invasive bacteria)، ثمّ تقوم بتوظيف جزيئات الإشارة (signaling molecules) وبإفراز موادّ قاتلة تُلحِق الضّرر بخلايا الأنسجة المُصابة أو التّالفة، ممّا يؤدّي إلى إبادتها. 

حسب الوصف الموجز أعلاه، يمكن الاستنتاج أنّ هذه العمليّة يجب أن تتمّ تحت رقابةٍ مُشدَّدة، لأنّه في حال حدوثها بشكل عشوائيّ وبدون داعٍ، قد تؤدّي إلى إلحاق ضررٍ بالغٍ في الأنسجة. على سبيل المثال، هذا ما يحدث في أمراض المناعة الذاتيّة (الأمراض الّتي يُهاجِم فيها الجهاز المناعيّ أنسجة الجسم) أو في الالتهابات المزمنة.


أنواع خلايا الدّم البيضاء | الرّسم التّوضيحيّ: Shutterstock (حقوق النّشر محفوظة)

كيفيّة هجرة الخلايا إلى الأنسجة
كيف ينظّم جهاز المناعة هجرة الخلايا من الدّم إلى الأنسجة؟ يكمن السرّ بمراحل، حيث تعتمد كل مرحلة على على المرحلة السّابقة لها. في المرحلة الأولى، والّتي تُسمّى بمرحلة "التّدحرُج"، تبدأ الخلايا الموجودة في مجرى الدّم بالتّدحرج على الخلايا البطانيّة (Endothelium) التي تُبطّن الأوعية الدّمويّة. تؤدّي عمليّة التّدحرج إلى نشوء اتّصال بين خلايا الدّم والأوعية الدّمويّة ممّا يتطلّب من الخلايا "اتّخاذ قرار"- سواء لمحاولة الانتقال للأنسجة (الهجرة) أم لا.

يتمّ اتّخاذ هذا القرار بناءً على وجود جزيئات الإشارة والّتي تفرزها الخلايا البطانيّة فقط في حالة وجود ضرورة لقيام خلايا الدّم البيضاء باختراق للأنسجة المجاورة. عندما تتعرّف خلايا الدّم البيضاء على جزيء إشارة كهذا (والّذي يُسمّى بالكيموكين - Chemokine)، عندها تنشط وتباشر بعمليّة الهجرة.

في المرحلة التّالية، والّتي تُعتبَر صعبة للغاية، يتوجّب على خلايا الدّم البيضاء التّوقّف عن الحركة تمامًا - وهو أمرٌ ليس بسيطًا وسط مجرى الدّم القويّ والمستمرّ في الأوعية الدّمويّة. إلى حدٍّ ما، يمكن تشبيه هذا الموقف بشخص يحاول التّمسّك بإحكام بصخرة وسط نهرٍ هائجٍ. بعدما تتوقّف خلايا الدّم البيضاء عن الحركة تمامًا، تحاول اختراق طبقة الخلايا البطانيّة للوصول للأنسجة التّالية. من أجل القيام بذلك، عليها أن تتداخل بين الخلايا البطانيّة المتراصّة بكثافة.

هذه ليست نهاية رحلة خلايا الدّم البيضاء: يجب أن تمرّ الآن من خلال الغشاء القاعديّ (Basement membrane) الموجود تحت الخلايا البطانيّة. من أجل القيام بذلك؛ على خلايا الدّم البيضاء أن تقوم بإفراز بروتينات معيّنة والّتي لديها القدرة على تدمير الغشاء القاعديّ بشكل محلّي، بعمليّة تُسمّى التّحلّل البروتينيّ (Proteasomes). إفراز هذه البروتينات هو أيضًا جزء من العمليّة الالتهابيّة، ولكي تخترق أعماق الأنسجة أكثر،على الخلايا المناعيّة إنتاج وإفراز العديد من هذه البروتينات. من السّهل أن نتصوّر الضّرر النّاجم عن نشاط هذه البروتينات على الأنسجة، وبالتّالي إدراك أهميّة الرّقابة على مثل هذه العمليّات، حتى لا تحدث بشكل عشوائيّ.


هجرة خلايا الدّم البيضاء من الأوعية الدّمويّة إلى الأنسجة | الرّسم التّوضيحيّ: Shutterstock (حقوق النّشر محفوظة)

في نهاية عمليّة الهجرة، تتواجد خلايا الدّم البيضاء في جميع أنحاء الأنسجة. لذلك؛ بعد انتهاء الخطر الأوليّ والمُسبّب في نشوء العمليّة الالتهابيّة، تبقى هنالك الحاجة لوقف العمليّة الالتهابيّة والتّخلّص من هذه الخلايا قبل أن تُحدِث المزيد من الضّرر. يقوم الجسم بذلك بعدّة طرق، من بينها، موت الخلايا المُبرمَج - (Apoptosis) لخلايا الدّم البيضاء.

والآن، بعد أن حصلتَ على الإجابة حول كيفيّة حدوث العمليّة الالتهابيّة، قد تكون قادرًا على تقدير سبب استغراقها وقتًا طويلًا في أغلب الأحيان، وفهم سبب حاجة جهاز المناعة للكثير من الوقت للتّخلّص من الفيروسات والبكتيريا الّتي تغزو أجسامنا. ومع ذلك، فإنّ الجهاز المناعيّ لدينا متطوّر ومُعَقّد للغاية، وعادة يتمكّن من التّغلّب على العديد من مسبّبات الأمراض المعقّدة.

الكيد المرتدّ (Boomerang) - بالعودة إليك
هل تتواجد خلايا الجهاز المناعيّ بشكل دائم في الأنسجة، حتّى في حالات عدم وجود التهاب فيها؟

بيانا بيرنشطاين
قسم علوم جهاز المناعة
معهد وايزمان للعلوم


ملاحظة للمتصفحين

إذا كنتم تعتقدون أنّ التّفسيرات ليست واضحة بما فيه الكفاية، أو إذا كانت لديكم أيّة أسئلة تتعلّق بالموضوع، لا تتردّدوا في طرحها في قسم الرّدود على هذا المقال وسنقوم بتناولها بتوسّع فيما بعد. نرحّب دائمًا بالاقتراحات والنّقد البنّاء.

موقع دافيدسون أونلاين يهتمّ بتوفير المعلومات العلميّة فقط، ولا ينبغي التّعامل مع المقالات كبديل عن الاستشارة الطبّيّة أو الغذائيّة. لا تقتبس أجزاءً من هذا المقال، بل قُم باقتباس المقال كاملًا.

0 تعليقات