بعد عشرين عامًا من تطوير السجائر الإلكترونيّة، لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت تساعد في الحدّ من التدخين، وما هي أضرارها التراكميّة- لكنّ عواقبها الصحيّة الفوريّة بدأت بالفعل بالظهور

بعد آلاف السنين من بدء سكّان قارّة أمريكا في تدخين التبغ لأغراض طبيّة والمتعة أيضًا، نعلم اليوم أنّ لاستهلاكه تأثيرًا خطيرًا في الصحّة. يؤدّي تدخين السجائر كلّ عام إلى أكثر من 8 ملايين حالة وفاة حول العالم، وتُشكّل حالات الوفاة بسبب التدخين السلبيّ (Passive smoking) حوالي 1.2 مليون من بينهم. طرأ انخفاض  بنسبة عشرات في المائة في عدد المدخنين خلال الخمسين سنة الماضية، ويرجع ذلك بالأساس إلى زيادة الوعي بالمخاطر المصاحبة للتدخين. 

قام الصيدلانيّ الصينيّ هون ليك (Hon Lik) بتطوير أوّل سيجارة إلكترونيّة في عام 2003، بغية الإقلاع عن تدخين السجائر. بعد مرور 20 عامًا من تطويرها، يجب دراسة ما إذا كانت السجائر الإلكترونيّة بالفعل بديلًا جيّدًا، وهل تساعد في الحدّ من التدخين؟ وكيف أثّرت هذه السجائر في عادات التدخين في العالم؟

دخان بدون نار

يبدو من الخارج أنّ تدخين السجائر العاديّة والسجائر الإلكترونيّة متشابه- سحابة من الدخان في الهواء. ومع ذلك، فإنّ العمليّة الّتي يتمّ من خلالها إنشاء الدخان مختلفة. تحوي السيجارة التقليديّة التبغ وموادّ إضافيّة. يتمّ حرق هذا الخليط أثناء التدخين، وينتج عن ذلك أكثر من 7000 مادّة ضارّة تصل إلى رئتَي المدخن في هذه العمليّة. في المقابل، تُعتبر السيجارة الإلكترونيّة جهاز تبخير "Vape" يتكوّن من فوّهة لاستنشاق الأبخرة، بطاريّة توفّر الطاقة لتشغيل جهاز التسخين، ومخزن من السائل الدهنيّ الّذي يحتوي على النيكوتين، الجليسرول، الفورمالديهايد، المنكّهات والمزيد. عند الضغط على زر البدء، أو عند الاستنشاق من الفوّهة، يتمّ تشغيل جهاز التسخين لتصل درجة حرارته بسرعة إلى 250-100 درجة مئويّة، ما يسمح للسائل بالتبخّر. تشمل الأبخرة الناتجة آلاف الموادّ، معظمها غير معروف وبعضها معروف بأنّها ضارّة. 

تنتج السجائر الإلكترونيّة موادّ ضارّة أقلّ من السجائر العاديّة، ولهذا السبب من الممكن أن يستهلكها مدخّنو التبغ كبديل أقلّ سمًّا من منتجات التبغ الأخرى. ومع ذلك، فإنّ كميّة النيكوتين المرتفعة وعدم وجود رقابة على الموادّ الأخرى الّتي تضاف إلى السائل، تثير التساؤل ما إذا كانت السجائر الإلكترونيّة مناسبة بالفعل لتكون بديلًا أكثر أمانًا للسجائر العاديّة، أو ما إذا كانت تساعد في الحدّ من التدخين.


السجائر الإلكترونيّة أقلّ سمًّا.  شخص يحمل سيجارة إلكترونيّة وسجائر عاديّة| المصدر: Andrey_Popov, Shutterstock

حلّ للإقلاع عن التدخين؟

غالبًا ما يتمّ تسويق السيجارة الالكترونيّة على أنّها منتج أقلّ ضررًا بالصحّة من السيجارة العاديّة، وتمّ اقتراحها كمرحلة وسيطة في عمليّة الفطام، أو لتقليل كميّة السجائر الّتي يستهلكونها يوميًّا. ومع ذلك، حتّى يومنا هذا، تمتنع الهيئات الصحيّة العالميّة الرائدة عن التوصية باستخدام السجائر الإلكترونيّة في أطر علاجات الإقلاع عن التدخين. وذلك لأنّها تختلف كثيرًا عن منتجات الإقلاع عن التدخين الأخرى مثل اللاصقات، العلكة والأقراص الّتي تستند على النيكوتين، والّتي أثبتت بالفعل نجاعتها كأدوات مساعدة في علاجات الفطام الكامل أو الجزئيّ من التدخين.

قامت العديد من الدراسات بفحص فعاليّة السجائر الإلكترونيّة كوسيلة للإقلاع عن تدخين السجائر العاديّة. كانت النتائج مختلطة؛ تراوحت بين تلك الّتي أظهرت فعاليّة معتدلة، إلى الدراسات الّتي أظهرت فعاليّة منخفضة أو عدم فعاليّة على الإطلاق. حتّى ليك، مخترع السيجارة الإلكترونيّة بهدف أن يقلع عن التدخين، أصبح يدخّن كلا النوعين من السجائر: العاديّة والإلكترونيّة.

تشير دراسات إضافيّة إلى وجود نزعة سلبيّة وخطيرة لدى المراهقين الّذين يبدؤون في تدخين السجائر الإلكترونيّة في سنّ مبكرة و يدمنون على النيكوتين بسببها. يبدأ العديد منهم في سنّ البلوغ بتدخين السجائر العاديّة. بالإضافة إلى خصائص النيكوتين المسبّبة للإدمان في السجائر، فإنّ التعرّض له في سنّ مبكرة يمكن أن يضرّ بنمو الدماغ الطبيعيّ، والقدرات العقليّة المهمّة مثل التركيز، التعلّم والمزاج. بالإضافة إلى ذلك، وجد أنّ استهلاك النيكوتين في سنّ مبكرة يزيد من خطر تعاطي المخدّرات الخطرة في وقت لاحق.

لذلك، حتّى لو تبيّن في النهاية أنّ السيجارة الإلكترونيّة يمكن أن تساعد في الإقلاع عن تدخين السجائر العاديّة، فستبقى هناك حاجة إلى رقابة صارمة بتوزيعها، وذلك لحماية المراهقين من شركات التبغ والنيكوتين الّتي تقوم بتسويق السجائر الإلكترونيّة لهذه الفئة العمريّة، الأمر الّذي من الممكن أن يؤدّي إلى تطوير الإدمان واعتماد طويل الأمد على السجائر ومنتجات النيكوتين الأخرى.


في عام 2019، كان هناك ازدياد حادّ في عدد حالات العلاج في  المستشفيات في الولايات المتّحدة بسبب استخدام السجائر الإلكترونيّة. صورة أشعّة سينيّة لفتاة تبلغ من العمر 19 عامًا أصيبت بأضرار جرّاء تدخين السجائر الإلكترونيّة | المصدر: Steven Needell / Science Photo Library

السجائر الإلكترونيّة والصحّة

نظرًا للوقت القصير نسبيًّا والّذي مرّ منذ تطوير السيجارة الإلكترونيّة، والّذي لا يُتيح تحديد أضرارها طويلة المدى، لذلك، فإنّ الدراسات الّتي تبحث في عواقبها الصحيّة لا تقدّم إجابات شاملة. على سبيل المثال، فقط حتّى عام 2019، قام مركز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC) بتحديد متلازمة جديدة تُسمّى "الأمراض الرئويّة المرافقة للتدخين الإلكترونيّ أو منتجات التبخير (Vaping)"، أو EVALI باختصار، وذلك بعد زيادة حادّة في عدد حالات دخول المستشفى بسبب استخدام السجائر الإلكترونيّة. تشمل هذه المتلازمة أعراضًا كضيق في التنفّس، ألم في الصدر، ارتفاع في درجة الحرارة، نبض سريع، سعال، آلام في البطن وقيء. في غضون عام واحد، تمّ تسجيل 2800 حالة علاج في المستشفى بسبب متلازمة EVALI، وانتهت 68 منها بالوفاة. من المحتمل أن تكون معظم حالات التقييم هذه ناتجة عن استهلاك فيتامين E أسيتات في سائل التبخير.

في يومنا الحالي، انخفضت حالات الـ EVALI لكنّها لم تختف كليًّا. يبدو أنّ السجائر الإلكترونيّة قد تتلف أنسجة الرئة من خلال عدّة آليّات تعمل في المدى البعيد والقريب. على سبيل المثال، تحفيز التغييرات الجينيّة (الطفرات) في خلايا الرئة الّتي تؤدّي إلى ضعف وظائف الجهاز التنفّسيّ، أو تحفيز استجابة التهابيّة في الرئتين، أو انهيار الرئة (الاسترواح الصدريّ، Pneumothorax).

بالإضافة إلى EVALI وغيره من الأضرار قصيرة المدى، يحاول الباحثون تقييم العواقب الصحيّة المتوقّعة للسجائر الإلكترونيّة على المدى الطويل. من المتوقّع أن تتضرّر بشكل رئيس  الأعضاء الّتي تتعرّض للموادّ المستنشقة أوّلًا: الفم، الأنف، القصبة الهوائيّة والرئتان.

لا تنشأ الموادّ الضارّة الّتي يتمّ استنشاقها من السائل المتبخّر فحسب، بل أيضًا من الجزيئات المعدنيّة الّتي تتكوّن منها السيجارة نفسها، مثل النيكل، الألومنيوم وغيرها. يؤدّي الاستهلاك المطوّل لهذه الموادّ إلى زيادة خطر الإصابة بسرطان الرئة والأنف والجيوب الأنفيّة. ترتبط أيضًا أعراض أخرى بالاستخدام المستمرّ للسجائر الإلكترونيّة، مثل ضيق التنفّس، السعال، آلام الصدر، الصداع والقلق وغيرها.

ومع ذلك، تدّعي دراسات معيّنة أنّ السجائر الإلكترونيّة قد تسبّب ضررًا أقلّ من السجائر العاديّة؛ لأنّها تحتوي على موادّ أقلّ سمًّا، وبالتالي يمكن استخدامها كبديل أقلّ خطورة للأشخاص الّذين يدخّنون السجائر العاديّة. مع ذلك، هناك حاجة لإجراء دراسات طويلة المدى لإثبات هذا الادّعاء، نظرًا لأنّه حتّى الآن تمّت دراسة التأثيرات قصيرة المدى لاستخدامها فقط.

 

الوضع في البلاد

علمنا في هذه الأيام عن أوّل وفاة لطفل بعد تدخين السجائر الإلكترونيّة. تشير التقارير الإعلاميّة إلى أنّ الصبي وصل إلى المستشفى بحالة خطيرة للغاية، بعد أن فقد القدرة على التنفّس وانهارت رئتاه. تمّ توصيله بآلة الأكسجة الغشائيّة خارج الجسم (ECMO) ولكنّه توفي بعد بضعة أيام. ذكر الأطبّاء الّذين عالجوه أنّه على الرغم من التقارير العديدة الموجودة في الأدبيّات المهنيّة حول مرض الرئة الثانويّ، وانهيار الرئات أثناء الاستخدام المفرط للسجائر الإلكترونيّة، إلّا أنّه تُعتبر هذه الحالة نادرة وخطيرة بشكل مفاجئ. كانت إحدى الفرضيّات أنّ هذه الظاهرة مرتبطة بالاستخدام غير المنضبط للموادّ الخطرة.

عقب هذه الحادثة، قامت 70 منظّمة صحيّة وعلى رأسها جمعيّة معرفة "ميداعات" بمناشدة رؤساء لجان الصحّة، الماليّة، حقوق الطفل، شؤون الشباب، مكافحة تعاطي المخدّرات والكحول، لتقديم خطّة عمل وطنيّة شاملة لمنع بدء التدخين بين الأطفال والمراهقين. كتبوا بالاستمارة "لا تُعتبر السيجارة الإلكترونيّة تسلية غير ضارّة، بل منتجًا خطيرًا ويسبّب الإدمان. قد يتسبّب استخدام السيجارة الإلكترونيّة، ضمن أمور أخرى، في حدوث تغيّرات في الأوعية الدمويّة (الّتي ترتبط بإصابة تؤدّي إلى أمراض القلب والأوعية الدمويّة) وأيضًا في بعض الحالات، تلف خطير لا رجعة فيه في الرئة. تشير الدراسات الحديثة أيضًا إلى التغيّرات الجينيّة المرتبطة بتطوّر الأورام السرطانيّة في تجويف الفم، والرئتين والمثانة في صفوف المدخّنين". 

أضافوا قائلين: "تشير الدراسات إلى أنّ السجائر الإلكترونيّة في كثير من الحالات هي بوّابة إلى عالم التدخين بين المراهقين والأطفال. عند مقارنة أبعاد التدخين في دولتنا بين المراهقين في عام 2022 مقارنة بالعام السابق-2021، تظهر صورة مقلقة لانخفاض سنّ البدء في التدخين بين المراهقين، حيث بدأ 13.7% من الّذين تتراوح أعمارهم بين 12-14 عامًا بالتدخين في عام 2022، مقارنة بنسبة 3.4% في عام 2021. بالإضافة إلى ذلك، ازدادت وتيرة التدخين اليوميّة في الفئة العمريّة 15-17 عامًا أكثر من الضعف في السنوات الأربع الماضية- من 4.7% في عام 2019 إلى 9.8% من المدخّنين يوميًّا في عام 2022. تظهر هذه النتائج الأخيرة انخفاض سنّ بداية التدخين، وارتفاع معدّلات التدخين الفعليّة بين الشباب، وكلّ ذلك نتيجة انتشار السجائر الإلكترونيّة دون أيّ تنظيم ورقابة للظاهرة. يجب أن نوقف هذا الاتّجاه ونحمي صحّة أطفالنا".

 

0 تعليقات