طوّر العالم المُسلم الْكِنِديّ، في القرن التّاسع الميلاديّ، طريقة فعّالة لفك شِفرات الاستبدال البسيطة . أسرار التّشفير - المقالة الثانية في السّلسِلة

هذه هي المقالة الثّانية في سلسلة المقالات التي تتناول عالم الشفرات، لكنّها قائمة بحدّ ذاتها. لِقراءَة المقالة الأولى.

يميلُ الكثير من الناس خطأً إلى البحث عن جذور فنّ التّشفير في أوروبا. لكنّ الواقع يشير إلى أنّ أقدم كتاب يتناول عِلم التشفير -نظريّة الكتابة المخفيّة- كُتِبَ في العراق في القرن التّاسع الميلاديّ، وقد كتبه العالِم المسلم الكِنِديّ. عمل الْكِنِديّ،المعروف أيضًا باسم "فيلسوف العرب"، طبيبًا شخصيًّا لثلاثة خلفاء عباسيّين، كما أدار مكتبة بغداد الكبيرة.  أمّا الخليفة الرابع في ذلك العصر، وهو المتوكّل الأول ذو الميول المحافظة، فلم يكنّ مودّة لكِنِدي، وصادر جميع ممتلكاته وحكم عليه بالجلد العلنيّ. 

تناولت بعض كُتب الْكِنِديّ، البالغ عددها 290 كتابًا، طرقَ التشفير. وصفت إحدى كتبه طريقةً إبداعيّة لِفَكّ التشفير البسيط بناءً على المعرفة المسبقة للّغة المَكتوبة. لقد كانت هذه الطريقة، التي تدعى "تحليل التردّدات"، واحدةٌ من أقوى الأدوات لفكّ التشفير القائم على الاستبدال، مثل شِفرة قيصر، على مدارِ مئات السّنين حتّى القرن التاسع عشر الميلاديّ. 

כתב במאה התשיעית לספירה את הספר הקדום ביותר העוסק בקריפטוגרפיה. אל-כנדי | Hilmi Abedillah, Shutterstock
لقد كتب أول كتاب يتناوَل عالم التشفير في القرن التاسع الميلاديّ. الْكِنِدي | Hilmi Abedillah, Shutterstock 
 

طريقة فكّ الشِّفرة

معدّل تردّد كلّ حرفٍ هو عدد مرّات ظهورهِ في النص. تعتمدُ طريقة تحليل التردّد على أمرين: الأوّل، تحوي كلّ لغةٍ أحرفًا تميل إلى الظهور أكثر من غيرها. تُدعى هذه الميّزة إحصائيّة اللّغة. أمّا الأمر الثاني، ففي النّص المشفّر الذي تمّ فيه استبدال كل حرفٍ بحرفٍ آخر أو رمزٍ ثابتٍ آخر، سيظهرُ كلّ رمزٍ بالضبط نفس عدد المرّات التي ظهر فيها الحرف الحقيقي في النصّ الأصلي، الّذي تمّ استبداله فيه. لذلك، إذا وجدنا تردّد كلّ رمزٍ في النّص المشفّر، نستطيع أن نلائم الرّموز مع إحصائيّات اللّغة بنسبة احتمال عالية نسبيًّا، وكشف الحرف الحقيقيّ المخفي وراء هذا الرّمز أو ذاك في النصّ المشفّر.

لجمع إحصائيّاتِ هذه اللّغةِ، هنالك حاجة لتجميع أكبر قدر من النّصوص والمرور على كلّ حرفٍ ومعرفة عدد مرّات ظهوره. لذلك كانت هذه العمليّة تُعتبر بلا شكّ عمليّة مُضنية ومرهقة من قبل ظهور جهاز الحاسوب الحديث.

تتألّف الحروفَ في اللّغةِ العربيّة من 28 حرفًا أساسيًّا، لكن عند كتابتها يُعتمدُ أيضًا على ثمانيةِ حروفٍ أخرى لها تردّدٌ مختلفٌ لكنّه مشابهٌ لِبعض الحروف شكلًا أو صوتًا، وهذه الحروف هي (أ إ آ ء ة ؤ ى ئ). عندما نحسب تردّد الحروف في اللّغة العربيّة في القرآن الكريم على سبيل المثال، المحصاة 330,709 حرفًا، نحصل على الجدول التالي: 


تردّدات الحروف العربيّة في القرآن الكريم، مرتّبة ترتيبًا تنازليًّا

 

إنّ الإحصائيّات في الجدول السابق لا تُعدّ كافيةً، دون الأخذِ بعينِ الاعتبار تردّداتٍ من مصادر أخرى غير القرآن الكريم. هناك بعض المصادرِ الأخرى مثل المجلّدات السبعة الأولى في سلسلة البداية والنّهاية لابن كثير، وكتاب الرّحيق المختوم للمباركفوري وَتحفة العروسين لِلشّوري. كلّما زاد طول النّص الذي يتمّ تحليله، زادت موثوقيّة الإحصائيّات والإشادة بميّزات اللّغة. ومع ذلك، يمكن التحديد وبسهولةٍ أنّ الحرفين "ا" و "ل" هما الأكثر شيوعًا في اللّغة العربيّة حسب تردّدات الحروف في القرآن الكريم. وبناءً على التردّدات التي وجدناها، فإنّ الحرف الأكثر شيوعًا هو "ا" (درجة 1)، بعدها يأتي الحرف "ل" (درجة ثانية)، "ن" "م" "و" (درجة ثالثة- إذا تمّ تقريب نِسبهنّ لعددٍ صحيح) وهكذا دواليك. 

هكذا نفكّ الشفرة

لدينا جملة مُشفّرة عن طريق استبدال كلّ حرفٍ بها برمز. لنلقي نظرةً على الجملةِ المشفّرة التالية:

إذا عددنا الرّموز نحصل على جدول التّردّد التالي:

כתב במאה התשיעית לספירה את הספר הקדום ביותר העוסק בקריפטוגרפיה. אל-כנדי | Hilmi Abedillah, Shutterstock

إنّ رمز A هو أكثر رمز يظهر في الجدول. يمكننا أن نفترض بثقةٍ عالية أنّه يمثّل الحرف "ا"، وهو الحرف الأكثر شيوعًا في إحصائيّات اللّغة العربيّة. وهذا بالطبع مجرّد فرضيّة، لأنّنا لا نعرف إلى أيّ مدى يعكس النّص الصّغير الذي بحوزتنا تكرار الحروفِ في اللّغة بأكملها، لكنّها نقطة انطلاقة جيّدة. وبشكل مشابه، من المحتمل ولكن ليس من المؤكّد أنّ الرمزين D و F اللذين يعتبران من الدرجة الثانية، يمثّلان الحرف "ل" و "ن" أو "ن" و "م" وهكذا دواليك. نظرًا لكون الجدول يحتوي على 15 رمزًا فقط، يمكن الاستنتاج انّ تكرار 13 حرفًا من الـ 28 باللّغة العربيّة هو 0 في الجملة الأصليّة. 

تُعتبر مطابقة الرموز الأكثر ظهورًا في النّص المشفّر مع تكرار الأحرف في اللّغة أداة مساعِدة هامّة، لكنّها ليست كافيةً بمفردها. لدى محلّلي التردّدات وسائِل إضافيّة لمواصلة المحاولة من أجل فكّ الشِفرة. على سبيل المثال، عليهم معرفة مبنى الكلمات والجملة في اللّغة. فهناك العديد من الأحرف المضافة في أوّلِ أو آخرِ الكلمة في اللّغة العربيّة، تكون غير أصليّة في الكلمة من أجل تبيان معنى محدّد، ومتمّمات للجملة نحويًّا وصرفيًّا. يمكن للأشخاص المحترفين الذين يعملون على فكّ الشِفرة الاستعانة بعددٍ من الوسائل؛ كالجمع بين القدرة المعرفيّة بشأن إحصائيّات اللغة ومبناها، والتخمينات الذكيّةِ من خلال التّجربة والخطأ، والبحث عن كلماتٍ كاملةٍ يمكنها أن تُساعد في مطابقة الرّموز مع الأحرف في كلماتٍ لم يتمّ تحديدها بعد.

لذلك، تُعتبر عمليّة فك الشِفرة فنًّا وليست مجرّد تقنيّة فقط. إنّ طرق تحليل التردّد تُعدّ بمثابة اختصارات جيّدة لعملٍ أكثر صعوبة وتعقيدًا. لم يكن صدفةً أنّ أفضل مفكّكي الشِّفرة في بريطانيا في القرن العشرين، أمثالّ آلان تيورينغ، كانوا مزيجًا من علماءِ الرّياضيّات، ومفكّكي ألغازٍ ولُغويين، إذ يتطلّب الأمرُ من مُحلّلي الشِفرة أن يكونوا على درجةٍ من الإبداع، ومعرفة عميقة باللّغة وأن يتحلّوا بعزيمة كبيرة. 

0 تعليقات