هل مكوّنات بُنيَة الكائنات الحيّة مشابهة لبيئتها؟ ولماذا لا نتكوَّن، أساسًا، من المعادن؟

عندما ننظر إلى جميع الكائنات الحيّة في عالمنا، نجد أنّ تركيبتها متشابهة للغاية، وأنّ الاختلاف بينها كامن، أساسًا، في الطّريقة الّتي تأتلف (تندمج) بها معًا.  مثلًا، تتكوّن الكائنات من بروتينات مختلفة، ولكن التّركيب الأساسيّ للبروتينات متشابه جدًّا. وهنا قد نتساءل: هل يعكس هذا التّركيب مجموعة العناصر الموجودة في بيئتنا الحياتيّة؟

للإجابة عن السّؤال علينا أن ندرس تركيبة (بنية) العناصر في الكائنات الحيّة وتركيبة البيئة. تُقاس هذه التّركيبة حسب العلاقة مع الوزن الكلّيّ للعنصر في الجسم أو في البيئة، وليس لعدد الذّرّات، مع أنّه، وبشكل عامّ، لا يوجد فرق جوهريّ بين الطّريقتين. تكوّن جسمنا، مثل الكائنات الحيّة الأخرى، من الماء ومركّبات عضويّة، لذلك يحوي كمّيّات كبيرة من الهيدروجين، الأوكسجين والكربون. إضافة لذلك، تحوي أجسام، وخلايا كلّ الكائنات الحيّة، النّيتروجين والفوسفور بوفرة، لأنّها مركّبات هامّة (أساسيّة) في البروتينات والأحماض النّوويّة RNA, DNA.

يُعدّ الكالسيوم، أيضًا، عنصرًا شائعًا جدًّا (موجود بوفرة) في العديد من الكائنات، بسبب كونه عنصرًا مهمًّا في تركيبة العظام، الأسنان والهياكل الخارجيّة لبعض الكائنات الحيّة مثل المرجان (الحيوانات الزّهريّة) والقشريّات (سرطان البحر). عناصر أخرى مث الصّوديوم، البوتاسيوم، الكلور والكبريت، شائعة جدًّا في معظم الكائنات الحيّة ومنها الإنسان: الكبريت موجود في اثنين من الأحماض الأمينيّة: السّيستين والميثيونين الموجودة في العديد من البروتينات. يؤثّر الصّوديوم والبوتاسيوم والكلور في تركيبة الأيونات في الخلايا وفي السّائل خارج-الخليّة، وهي ضروريّة لتنظيم (تعديل) عمل العديد من الخلايا.   

هناك عناصر (مركّبات أساسيّة)  أخرى ضروريّة لجسم الإنسان ولجميع أشكال الحياة، لكنّ كمّيّتها قليلة. منها الكوبالت Co,) Cobalt)   الّذي يُعدّ مركّبًا أساسيًّا في فيتامين B12 الضّروريّ للخلايا، لكنّه يشكّل واحدًا على مليون من وزن الجسم فقط.  هناك، أيضًا، عناصر ضروريّة لكائنات حيّة معيّنة بيدَ أنّها ليست ضروريّة لغيرها. يمكن القول إنّ العناصر الّتي تكوّن أجسامنا هي نفسها الّتي تكوّن أجسام جميع الكائنات الحيّة.

 

החומרים החיוניים ביותר לקיום החיים: תרכובות פשוטות של מימן, חמצן, פחמן וחנקן | איור: Shutterstock
الموادّ الضّروريّة جدًّا لوجود الحياة: مركّبات بسيطة من الهيدروجين، الأوكسجين، الكربون والنّيتروجين| صورة إيضاحيّة: Shutterstock

العالم الذي نعيش فيه

بخصوص تركيبة البيئة، تتمثّل الصّعوبة في إيجاد تعريف لها، لأنّ تركيبة الكواكب والفضاء - الّتي تمثّل، جيّدًا، تواتر (تكرار) العناصر في الكون كلّه - لا تشبه تركيبة الكرة الأرضيّة كلّها، تشمل جوفها (نواتها)، المحيطات والغلاف الجوّيّ. ولذلك، نتعامل مع البيئة على أنّها قشرة الكرة الأرضيّة الّتي تشمل المحيطات وقيعانها، حيث تعيش عليها معظم الكائنات الحيّة.

 تختلف تركيبة البيئة تمامًا عن تركيبة الكائنات الحيّة. بخلاف العناصر الّتي عدّدناها، تتكوّن البيئة من فلزّات كثيرة تُنتج معادن وأملاحًا. تنتشر على قشرة الأرض عدّة عناصر، منها السّيليكون، الألومنيوم والحديد في هذا التّرتيب. من بينها، فقط للحديد أهمّيّة كبرى لجسم الإنسان، وبكمّيّات قليلة نسبيًّا. كذلك للألومنيوم والسّيليكون توجد أهمّيّة معيّنة للجسم، إذ نحتاجها بكمّيّات ضئيلة جدًّا، على الرّغم من أنّهما يشكّلان 35 % من قشرة الأرض.

وهذا مستمرّ. العنصر التّاسع، حسب درجة انتشاره (تواتره)، هو التّيتانيوم، ولكنّه نادر جدًّا في الجسم، وليس له دور بيولوجيّ معروف. الكربون - العنصر الأساسيّ في جميع التّركيبات العضويّة الّتي تُبنى منها جميع الكائنات الحيّة - هو العنصر الخامس عشر في درجة انتشاره، وهو يشكّل ما بين 1 من 10000 إلى 1 من 1000 من  قشرة الكرة الأرضيّة.

הסביבה שלנו מכילה מתכות רבות, אך חשיבותן בקיום חיים קטנה מבחינה כמותית. מתכות | צילום: Shutterstock
تحتوي بيئتنا على فلزّات عديدة، لكنّ أهمّيّتها لوجود حياة ضئيلة جدًّا. فلزّات | التّصوير: Shutterstock

 
خاصّيّة موادّ الحياة

إذا كان الأمر كذلك، فمن أين تنشأ هذه الاختلافات الجوهريّة؟ كيف لا تتكوّن الكائنات الحيّة من العناصر المشهورة جدًّا في البيئة؟ 

تكمن الإجابة في خصائص العناصر المختلفة. تحتاج الكائنات الحيّة إلى جزيئات معقّدة وبأشكال متنوّعة، ذات مبنى ووظيفة معقّدة وقدرة على مضاعفة نفسها ذاتيًّا. الجزيئات العضويّة المبنيّة على رباط كربون - هيدروجين، هي المرشّحة لهذا الغرض. السّبب هو أنّ الكربون ينتج جزيئات معقّدة بسبب قدرته على الارتباط بأربع ذرّات مختلفة، وميله لإنتاج سلاسل طويلة ومركّبة. بالمقابل، لا تستطيع الفلزّات إنتاج سلاسل طويلة ومعقّدة من الذّرّات، مثل تلك الّتي تبني البروتينات والأحماض النّوويّة.

هناك اختلافات كيميائيّة أخرى بين الفلزّات - الّتي تتبع لها معظم العناصر المنتشرة على قشرة الكرة الأرضيّة - وبين اللّا-فلزّات - الّتي تتبع لها معظم العناصر الموجودة في الكائنات الحيّة. هذه الخلافات تقودنا إلى حقيقة مفادها أنّ خصائص اللّا-فلزّات ملائمة أكثر للحياة، وهي الّتي تكوّن معظم جسمنا، وليست الفلزّات. 

إضافة على ذلك، حتّى لو كان العنصر شائعًا جدًّا على قشرة الكرة الأرضيّة، فليس من السّهل إيجاد رواسبه مركّزةً: فلزّ الرّوبيديوم، مثلًا، مشهور جدًّا في الطّبيعة، لكنّه يظهر دائمًا مع البوتاسيوم وبتركيز منخفض. نظرًا لأنّ خصائصهما متشابهة جدًّا، فقد تطوّرت الحياة بحيث يكون للبوتاسيوم دور ضروريّ للكائنات الحيّة، بينما، وعلى ما يبدو، لا توجد وظيفة بيولوجيّة للرّوبيديوم.

في حالات أخرى، من الصّعب استخراج عناصر من البيئة لاستخدامها في بناء خلايا أو جزيئات مفيدة للحياة. الألومنيوم، مثلًا، هو العنصر الثّالث في درجة انتشاره في القشرة الأرضيّة، لكنّه يظهر، دائمًا، على شكل أكاسيد أو سليكات، وهذه موادّ مستقرّة جدًّا، الأمر الّذي يجعل إنتاجها من مصادر طبيعيّة صعبًا. وهذا هو السّبب في أنّه بالكاد توجد كائنات حيّة تستغلّه، وربّما لا تستغلّه مطلقًا.   

وأخيرًا، العناصر الشّائعة في الطّبيعة موجودة في أجسامنا، حتّى لو لم يتمّ استخدامها. على الرّغم من أنّ البيئة لا تميل إلى امتصاصها بشكل طبيعيّ لعدم الحاجة إليها، فإنّ تركيزها العالي يجعلها موجودة بكمّيّات قليلة. كمّيّات بعضها، مثل السّيليكون والرّيبيديوم، تفوق كمّيّات عناصر أخرى لازمة لوظائفنا، مثل اليود الضّروريّ للغدّة الدّرقيّة، أو الكوبلات.

 

 

 

الترجمة للعربيّة: رغدة سمارة
التدقيق والتحرير اللغوي: د. عصام عساقلة
الإشراف والتدقيق العلمي: رقيّة صبّاح

0 تعليقات