على الرّغم من الآراء المسبقة الّتي تدور حول مهنة مساعِدات الولادة، تُشير الدّراسات إلى أنّ الخدمات الّلاتي يقدّمنها تُساهم بشكلٍ حقيقيّ، ليس في تحسين تجربة الولادة فحسب؛ وإنّما أيضًا في الوقاية من المضاعفات والعمليّات القيصريّة.

"لم أكن يومًا متحمّسة لفكرة وجود زوجي معي في المراحل المتأخّرة من المخاض. كنتُ أريد الانشغال بالولادة فقط، وعدم التّفكير في كيف يبدو شكلي أو كيف يُسمَع صوتي"، تقول ميريام (اسم مستعار)، الّتي أنجبت طفليْها في مستشفى إيخيلوف منذ حوالي 16 عامًا بمساعدة دولا- مساعِدة ولادة. "عندما شاركتُ رأيي مع زوجي، شعرنا نحن الإثنان بالارتياح، "جيّد جدًّا"، أجاب. "الحقيقة هي أنّني أتفهم شخصيّة الرّجل التّقليديّ، الّذي ينتظر في ممرّ المستشفى بينما يُدخّن سيجارته".

في تلك الفترة، كان المستشفى الّذي أنجبت فيه ميريام لا يسمح بدخول الدّولا إلى غرفة الولادة، خوفًا من إزعاج الطّاقم الطِّبّيّ. كان مجال دعم الولادة بأكمله أقلّ تطوّرًا في ذلك الوقت ممّا هو عليه اليوم، لكنّ ميريام وزوجها عاشا في مركز البلاد، حيث لم يكن هناك نقص في وجود مساعِدات ولادة أو نقص بالتّوصيات.

"وجدنا امرأة روحانيّة للغاية- كانت مهتمّة بزهور باخ وأفكار أخرى، لكنّ ذلك لم يزعجني"، تتذكّر ميريام. "كلّ ما أردته هو أن تكون هناك من تُساندني في اللّحظات الصّعبة، امرأة تُحْضر لي الماء، وتحافظ على خصوصيّتي. أدرك الطّاقم الطّبّيّ على الفور أنّها كانت دولا، لكنّهم لم يعقّبوا شيئًا أو يعترضوا. كلّما دخل شخص إلى الغرفة، كانت تبتعد على الفور، تقف بجوار الحائط، تتكتّف، وتظلّ صامتة- حتّى لا يظنّوا أنّها تتدخّل". في الولادة الثّانية، طلبت ميريام من نفس الدّولا مرافقتها مرّة أخرى.

ميريام ليست المرأة الوحيدة الّتي تضع الدّولا على رأس قائمة تفضيلاتها كمرافقة أثناء الولادة. إيريت (اسم مستعار)، أمّ عزباء لطفلة تبلغ من العمر عاميْن، قرّرت وهي في الخامسة والثّلاثين من عمرها أنّها لن تنتظر وجود علاقة زوجيّة في حياتها، وحملت من متبرّع بحيوانات منويّة. كانت تعلم أنّها ستحتاج إلى دولا، لكنّها قامت أيضًا بدعوة عددٍ إضافيّ من المرافقين، مفترضة أنّه قد لا يتمكّن الجميع من الحضور في إشعارٍ قد يحدث في أيّ لحظة غير متوقّعة. عندما بدأ المخاض، ترك الجميع أعمالهم بسرعة: الدّولا، أصدقاؤها ووالداها. "حين أفكّر في الأمر الآن، أجد أنّه كان هناك عدد كبير للغاية من الأشخاص. أثناء الولادة، كنتُ أقول لنفسي إنّه لا مانع لديّ من ذلك، وأنّ الأمر لا يزعجني. وعندما أفكّر في الأمر الآن، كنتُ سأكتفي  بوجود دولا وصديقة قريبة منّي فقط".

هناك شيء مفاجئ بعض الشّيء في هذا الأمر. لماذا تُفضّل إيريت وميريام أن تكون المرافقة امرأة غريبة؟ لكن، يتّضح أنّ هذا الخيار شائع جدًّا. يختار عدد متزايد من النّساء الاستعانة بدولا أثناء الولادة، أحيانًا كمرافقةٍ بمفردها، وفي أحيان أخرى إلى جانب أحد أفراد الأسرة المقرّبين. ولا تقتصر الظّاهرة على اللّاتي سيصبحنّ أمّهات جديدات أو على الأمّهات العازبات؛ بل تمتدّ أيضًا لتشمل الأمّهات اللّاتي يعرفن النّظام الطِّبّي جيّدًا، ويخضن ولادتهنّ  الثّانية أو الثّالثة. أرييلا رانكفيتز، وهي دولا منذ حوالي 12 عامًا، وقد رافقت حوالي 600 حالة ولادة حتّى الآن، تقول إنّ معظم زبائنها اليوم هنّ أمّهات سبق أنّ ولدن بمرافقتها، وطلبن منها مرافقتها في ولاداتهنّ التّالية أيضًا.


الدّولا في يومنا هذا هي جزءٌ من تقليد قديم، حيث كانت النّساء يدعمن بعضهنّ البعض أثناء الحمل والولادة وبعدها. امرأة تلد ومعها مرافقتها أثناء الولادة | Svitlana Hulko, Shuttertsock

تقليدٌ قديم بشكلٍ عصريّ

تتلقّى الدّولا اليوم تدريبًا يمنحها فهمًا عميقًا لعمليّة الولادة، وتكتسبُ مهارات وتقنيّات تساعدها على دعم المرأة الوالدة جسديًّا ونفسيًّا أثناء الحمل، وعن كثبٍ أثناء الولادة نفسها. لا تمتلك الدّولا تأهيلًا طبّيًّا، ولا يُسمح لها التّدخّل في القرارات أو العلاجات الطّبّيّة المقدَّمة للأمّ قبل الولادة أو أثناءها.

تعتبر العديد من النّساء الدّولا نوعًا من "الموضة" التّي تخصّ بشكلٍ أساسيّ النّساء "الرّوحانيّات". من وجهة نظرهنّ، قد يؤدّي استدعاء الدّولا إلى غرفة الولادة إلى فتح المجال لتدخّلٍ غير طبّيّ، بل قد يكون ضارًّا، أثناء الولادة. لكن، وكما يتّضح، فإنّ العلم أيضًا لديه الكثير ليقوله في مدح الدُّولا، وليس فقط النّساء اللّواتي يلدن. تُظهِر المعطيات تحسّنًا كبيرًا في تجربة الولادة وفي المشاعر الّتي تليها لدى النّساء اللّاتي ولدن بمساعدة الدّولا، وحتّى لدى أزواجهنّ. عند تنحية الأحكام المسبقة جانبًا، ما الّذي يمكننا أن نتعلّمه من العلم، من النّساء اللواتي أنجبن ومن الدّولا نفسها حول الممارسة المهنيّة لوظيفتها كمساعدةٍ في  الولادة؟ ما الّذي يكمن وراء التّأثير الإيجابيّ للدّولا على حالة المرأة الوالدة وعلى تقدّم سيرورة الولادة نفسها، وما هي المشاكل الّتي ترافق هذه المهنة؟


لم تتغيّر عادة الولادة المنزليّة في بيئة نسائيّة سوى في القرون القليلة الماضية. ولادة في المنزل في أوروبا في القرن السّابع عشر | Metropolitan Museum Of Art / Science Photo Library

يُمنع دخول المرافقين

على مدار القرون القليلة الماضية، حدث تغييرٌ عميق في طبيعة عمليّة الحمل والولادة. فقد تزايد اعتماد هذه العمليّة على التّقنيّات الطّبّيّة مع مرور السّنين، وأصبحت التّدخّلات الطّبّيّة معيارًا في الدّول الغربيّة. حتّى القرن السّابع عشر، كانت غالبيّة النّساء يلدن في المنزل وفي بيئة نسائيّة، ونادرًا ما كنّ يتوجّهنّ إلى العيادات والمستشفيات. في القرنيْن التّاسع عشر والعشرين، وبفضل التّطوّرات، مثل: الملقط وتقنيّات التّخدير، تعزّزت ظاهرة إرسال  النّساء للولادة في المستشفيات. ساهمت التّحسينات الكبيرة في تقنيّات التّعقيم وظهور المضادّات الحيويّة في تقليص معدّل وفيات الأمّهات والمولودين بشكلٍ كبير.

وفي الوقت نفسه، أدّى الانتقال إلى المستشفيات، على مدى عدّة عقود، إلى حظر شامل على وجود مرافقين أثناء الولادة في العديد من الأماكن حول العالم، مثل الولايات المتّحدة والبلاد. على الرّغم من تغيُّرِ الوضع اليوم، إلّا أنّه لا تزال هناك بلدان عديدة لا توجد فيها سياسة وطنيّة توصي النّساء الحوامل بالحضور إلى غرفة الولادة برفقة مرافقٍ - سواء كانت دولا، أو حتّى الأزواج أو الوالديْن.

مع ذلك، فقد أظهر العلم أنّ قيمة المرافقة المستمرّة أثناء الولادة تتجاوز بكثيرٍ مجرد الدّعم العاطفيّ أو النّفسيّ الّذي يقدّمه المرافقون للأمّ أثناء الولادة. يمكن رؤية فوائدها في تغيّرات فيسيولوجيّة وطبّيّة قابلة للقياس. من بين النّتائج المهمّة، هناك دراسة جديرة بالملاحظة بشكلٍ خاصّ، بحثت في تأثير وجود مرافق مستمرّ طوال عمليّة الولادة، بما في ذلك: الزّوج،  الممرّضة، القابلة، الدّولا، أو أفراد آخرين من العائلة. قام الباحثون بتحليل بيانات تمّ جمعها من 26 دراسة في 17 دولة مختلفة، ووجدوا أنّ النّساء اللّاتي تلقّين دعمًا ومرافقة مستمرّة، شهدن تحسّنا كبيرًا في تجربة الولادة وتقدّمها. كانت ولاداتهنّ أقصر، واحتجن إلى تحفيزٍ دوائيّ أقلّ أو إلى عمليّات قيصريّة أقلّ، وغيرها من الفوائد. إضافة إلى ذلك، كانت نتائج فحص أبغار للمولود، الّذي يقيس مؤشّرات مهمّة، مثل: النّبض واللّون والاستجابة للمثيرات، أعلى أيضًا.

إذا كان كلّ ما هو مطلوب هو المرافقة المستمرّة، وأيّ مرافقة من هذا القبيل يمكن أن "تؤدّي المهمّة"، فهل من المنطقيّ  دفع آلاف الشواقل لدولا ذات خبرة وتأهيل، أم أنّ "وجود شخصٍ ما" مع الأمّ أثناء الولادة يكفي؟ يظهِر الفحص المتعمّق لنتائج

البحث أنّ الدّولا وحدها مسؤولة عن جزء كبير من التّأثير الإيجابيّ للمرافَقَة على النّساء أثناء الولادة. بالنّسبة للنّساء اللّواتي ولدن بمساعدة دولا، فقد شهدن  انخفاضات ملموسة وواضحة  في الحاجة إلى عمليّات قيصريّة، بل كان خطر حدوثها  أقل بـ 39 في المئة مقارنة بالنّساء اللّاتي لم يكن لديهنّ مرافقة.  كما كشفت الدّراسة نفسها أيضًا أنّ مرافقة عاملين من  الطّواقم الطّبّيّة التّابعة للمستشفى لم تقلّل من هذا الخطر بشكلٍ كبير، وأنّ مرافقة أقارب أو معارف أدت إلى انخفاض أقلّ وغير ثابت، مقارنة بالنّساء اللّواتي استعنَّ بدُولا.

تُشير هذه النّتائج إلى أنّه وعلى الرّغم من أنّ المرافقة المستمرّة هي السِّمة الأكثر ارتباطًا بمهنة الدّولا، إلّا أنّ المرافقة ليست سوى جزء من الصّورة الكاملة. تتمتّع الدّولا المهنيّة بالمعرفة الّتي تسمح لها بتقديم الدّعم الجسديّ للأمّ أثناء الولادة، مثل: التّدليك والتّوجيه في التّنفّس وتغيير الوضعيّات من أجل تخفيف آلام الانقباضات، إلى جانب الدّعم العاطفيّ الّذي يشمل التّشجيع والتّهدئة وتوضيح  تقدُّم عمليّة الولادة ومواكبتها. إضافة إلى ذلك، فإنّ مجموعة الأدوات الّتي تحملها الدّولا معها تحاول تجاوز الصّعوبات الّتي تميّز نظام الرّعاية الصّحّيّة الحديث، والّتي سنتناولها  لاحقًا: مبدأ التّعامل مع الولادة كإجراءٍ طبّيّ، عدم وجود قابلة مُخصّصة مرافِقة  طوال الوقت، وثقافة لا تتعرّض فيها المرأة لولادات لنساء أخريات.


 أظهرت بيانات الدّراسة أنّ الولادات الّتي تكون برفقة مرافق كانت أكثر قصرًا وتطلّبت قدرًا أقل من أدوية تحريض المخاض أو العمليّات القيصريّة. امرأة حامل يتمّ إيصالها بجهاز لمراقبة الجنين (جهاز مونيتور) | Dmitry Kalinovsky, Shutterstock

نجاحٌ متجاوز للطّبقيّة

نُشرت دراسة شاملة مؤخّرًا، تهدف إلى فحص مزايا الدّولا وعيوبها، قدّمت بيانات مثيرة للاهتمام حول تأثيرها على السُكّان ذوي الوضع الاجتماعيّ والاقتصاديّ المنخفض في الولايات المتّحدة. قد يبدو مفاجئًا أن تتمكّن النّساء من فئات الدّخل المنخفض من تحمّل تكاليف خدمات الدّولا، وخاصّة في بلد مثل الولايات المتّحدة، حيث الرّعاية الصّحّيّة بغالبيّتها خاصّة. لكن في السّنوات الأخيرة، تمّ توسيع الخدمات الّتي يموّلها برنامج Medicaid، الّذي يوفّر تأمينًا صحّيًّا أساسيًّا لملايين الأسر الّتي تعيش تحت خطّ الفقر، لتشمل الآن مساعدة في تمويل خدمات الدّولا. تمّ جمع البيانات في الدّراسة من مجموعة واسعة من المجتمعات والسُّكّان في تسع ولايات أمريكيّة، من بينها: كاليفورنيا، نيوجيرسي، ميسوري، تكساس، ويسكونسن وغيرها من الولايات.

في المجمل، حصل الباحثون على بيانات تتعلّق بنحو 1.1 مليون ولادة. من بينها، قاموا بمقارنة 722 امرأة ولدن بمساعدة دولا ومجموعة من النّساء اللّواتي ولدن بدون دولا. كلا المجموعتيْن تتمتّعان  بنفس الخلفيّة الجغرافيّة، الاجتماعيّة، الاقتصاديّة والعرقيّة، كذلك العمر، والحالة الصّحّيّة. كانت النّتائج مثيرةً للإعجاب: فقد انخفض خطر الولادة عن طريق العمليّة القيصريّة بنسبة 47 في المئة لدى النّساء اللّاتي ولدن بمساعدة دولا. وهذا يعني أنّه من بين مئة امرأة تلد دون مساعدة من دولا، كان من المتوقّع أن تلد حوالي عشرين امرأة بعمليّة قيصريّة، وانخفض العدد إلى حوالي عشرة فقط حين استعنّ بخدمات الدّولا. بالإضافة إلى ذلك، لوحظ انخفاض بنسبة 29 بالمئة في خطر الولادات المبكّرة، وكان احتمال أن تلد المرأة الّتي سبق أن أنجبت بعمليّة قيصريّة هذه المرّة بالولادة الطّبيعيّة أعلى بنحو 2.16 مرّة في المجموعة الّتي تلقّت مرافقة. كما أنّ احتمال حضور النساء اللّاتي ولدن بمساعدة دولا إلى فحص ما بعد الولادة كان أكبر بنسبة 46%.

توصّلت دراسة أخرى إلى أنّ تأثير مرافقة الدّولا على خفض معدّل عمليّات الولادة القيصريّة واضح في البلدان ذات معدلات وفيّات الرُّضّع المرتفعة، لكنّه يكاد يكون غير محسوس في البلدان ذات معدّلات الوفيات المنخفضة. على الرّغم من أنّ الدّراسة لم تذكر ذلك صراحة، ولكنّ التّأثير الإيجابيّ يبدو محسوسًا بشكلٍ خاصّ في المناطق الفقيرة. تتوافق هذه النّتائج مع بيانات الدّراسة المذكورة سابقًا، والّتي أُجريت في 17 دولة حول العالم، والّتي وجدت أنّ وجود الدّولا عند الولادة له تأثير إيجابيّ بشكلٍ خاصّ في البلدان الفقيرة.


خرجت الدراسة بنتائج مثيرة للإعجاب: فقد انخفض خطر الولادة القيصريّة بنسبة 47 في المئة لدى النّساء اللّاتي ولدن بمساعدة دولا. عمليّة قيصريّة | Gwen Shockey / Science Photo Library

من سيرافق المرافق؟

كما تلعب المساعَدَة الّتي تقدّمها الدّولا للمرافقين الآخرين للمرأة أثناء الولادة دورًا أكثر مركزيّة ممّا يعتقده البعض. تقول أرييلا أنّه في كثير من الأحيان يكون زوج المرأة الّتي ستلد هو من يبادر للاتّصال بها، لأنّه يشعر أنّه بحاجة إلى مرافق له ولشريكته. أُجريت دراسة في الولايات المتّحدة عام 2008، بحثت فيما إذا كانت هناك قيمة مُضافة في المرافقة المزدوجة للمرأة أثناء الولادة- كلّ من الزّوج والدّولا معًا. لدى جميع الأزواج الّذين شاركوا في الدّراسة، رافق الزّوج المرأة أثناء الحمل والولادة، وعُرض على البعض منهم مرافقة دولا من قبل المسؤولين عن الدّراسة. وبالمقارنة مع مرافقة الشّريك لزوجته لوحده، أدّى انضمام الدّولا إلى انخفاض كبير في عدد عمليّات الولادة القيصريّة. في مجموعة الأزواج الّذين ولدوا بمساعدة دولا، 13 في المئة خضعن لعمليّة قيصريّة، مقارنةً بربع (25%) الأزواج في المجموعة الضّابطة.

كان الفارق أكثر وضوحًا لدى النّساء اللّواتي احتجن إلى الخضوع لعمليّة تحفيز الولادة (تحريض المخاض بتدخّل طبّيّ). فقد انتهت 12.5% فقط من حالات الولادة المحفَّزة للأزواج الّذين حصلوا على مرافقة دُولا بعمليّة قيصريّة، مقارنةً بـ 58% من حالات الولادة المحفَّزة الّتي حضرها الزّوج فقط. كما لوحظ أيضًا انخفاض كبير في استخدام التخدير النّصفيّ (التّخدير الإبيديوراليّ)- وهو تخدير موضعيّ يستخدم لتخدير آلام المخاض.

بالإضافة إلى الفوائد الّتي جنتها المرأة، فقد استفاد الأزواج كذلك من التّجربة. في الاستبيان الّذي ملأه الأزواج بعد يوم واحدٍ من الولادة، ومرّة ​​أخرى بعد ستّة أسابيع من الولادة، صنّف 93 في المئة من الأزواج الّذين ولدوا بمرافقة دولا وجودها عند الولادة كتجربة إيجابيّة للغاية، بينما وصف تقريبًا الباقون جميعهم التّجربة بأنّها إيجابيّة. في الاستبيانات التّي تمّ ملؤها بعد ستّة أسابيع من الولادة، تمّ الإبلاغ عن ردود فعل سلبيّة من قبل اثنين فقط.  مقابل ما أفادت به المجموعة الّتي أنجبت مع دولا من مشاعر أكثر إيجابيّة: حيث شعر الأزواج أنّهم فهموا ما كان يحدث لزوجاتهم، وعرفوا بشكلٍ أفضل كيفيّة مساعدتهنّ، واستمتعوا بلحظات قصيرة من الاسترخاء لم تكن ممكنةّ للأزواج الّذين رافقوا زوجاتهم لوحدهم.


نتائج الدّراسة الّتي قارنت بين الولادات مع وجود مرافق والولادات مع وجود مرافق ودولا | تصميم: ليآت بيلي

طواقم عمل مشغولة جدًّا، أهالٍ يرفعون دعاوٍ قضائيّة، وأطباء يدافعون

من المهمّ التّوقّف عند هذه الإحصائيّة الاستثنائيّة: من بين النّساء اللّواتي تلقَّين تحفيزًا للولادة، اللّواتي لم تكن هناك دولا إلى جانبهنّ، احتجن إلى عمليّة قيصريّة بنسبة أعلى بخمس مرات من اللّواتي استفدن من خدمات الدّولا. إنّ الدّولا ليست طبيبة، ولم تقدّم لهنّ أيّ دواء جديد ومبتكر، وبالطّبع هي ليست ساحرة أو مشعوذة، إذن، ما الذي يخلق هذا الفارق؟

ربما يكون الجواب هو مزيج بين المعرفة والخبرة الّتي تقدّمها الدّولا للأمّ أثناء الولادة الفعليّة، وبين الاتّجاه المقلق الآخذ بالازدياد في السّنوات الأخيرة للطِّبّ الدّفاعيّ (Defensive medicine). يُعدّ مجال أمراض النّساء والتّوليد، وهو المجال الطّبّيّ الّذي يتعامل مع الحمل والولادة، أكثر عرضة من سائر التّخصّصات الطّبّيّة للشّكاوى والدّعاوى القضائيّة المتعلّقة بالإهمال الطّبّيّ، ويؤثّر الخوف من هذه الشّكاوى والدّعاوى على قرارات الطّواقم الطّبّيّة ومقترحاتها. بحسب تحقيق لصحيفة هآرتس، في الأعوام 2013-2017، فإنّ حوالي 57% من التّعويضات الّتي تمّ دفعها  في إسرائيل بسبب الإهمال الطّبّيّ، كانت في أعقاب شكاوى قُدّمت في مجالات النّسائيّة والحمل. وبعيدًا عن ذلك، تأتي في المرتبة الثّانية الجراحة العامّة بنسبة تعويضات تبلغ 10% فقط، يليها طبّ الأطفال بنسبة 9.5%. تتشابه البيانات في الولايات المتّحدة أيضًا.

تخلِق هذه الظّاهرة حلقة مُفرَغة تؤثِّر على جميع الأطراف المعنيّة. بسبب الخوف من الدّعاوى القضائيّة، أصبح الأطبّاء أكثر استعدادًا لتقديم العديد من التّدخّلات الطِّبّيّة المتنوّعة للنّساء، على سبيل المثال: إجراء العديد من الفحوصات أثناء الحمل، عمليّات قيصريّة، وعمليّات التّحريض الطِّبّيّ لولادة. تزيد هذه الإجراءات الطّبّيّة في بعض الأحيان من خطر حدوث بعض المضاعفات الطّبّيّة، وبالتّالي قد تؤدّي أيضًا إلى زيادة معاناة الأمّ بعد الولادة، وإطالة فترة تعافيها  الجسديّ والنّفسيّ، وقد تخلق تجربة ولادة سلبيّة لها. كلّ هذا يزيد من احتماليّات أن تفكر المرأة في مقاضاة الطّاقم الطّبّيّ الّذي تسبّب في معاناتها. وبالتّالي، فإنّ زيادة الدّعاوى القضائية تُعزّز من هذه الظّاهرة-  الطّبّ الدّفاعيّ.

إنّ مرافقة دولا ذات خبرة قد يساعد في كسر هذه الدّائرة المُفرَعة، وتهيئة الأمّ بشكلٍ أفضل للمواقف الّتي قد تتطوّر أثناء الولادة. وتستطيع الدّولا ذات الحِسّ العاطفيّ العالي والحازمة في الآن نفسه، أن تساعد الأمّ على التّعامل في الوقت الفعليّ مع الأحداث الّتي قد لا تملك السّيطرة الكاملة عليها؛ بل وأحيانًا تساعدها على التّخلّي عن خطّة الولادة أمام الواقع المتغيّر في غرفة الولادة. "لا يكون الطّاقم الطّبّيّ مُتاحًا لمرافقة المرأة أثناء المخاض بشكل متواصل ومباشر، كما أنّ معرفتهم بالمرأة أثناء الولادة هي معرفة سطحيّة فقط. عندما تحضرين للولادة، فإنّهم لا يعرفون خلفيّتك، لا يعرفون مثلًا ما إذا كنت خائفة جدًّا، أو ما إذا كنتِ قد تعرّضت للأذى في الماضي- وهذه أشياء ربّما لن يكشفها الطّاقم، لأنّك وصلتِ إليهم متألّمة، وربما لن تبدأي عند وصولك في إخبارهم بكلّ شيء"، تشرح أرييلا. "كما أنّ الطّواقم الطّبّيّة تدرك أنّ الوقت المحدود المتاح لها قد يؤثّر على مسار الولادة. إنّ الدّولا ذات الخبرة، والّتي لاءمت التّوقّعات مع المرأة أثناء الحمل، وتعرف كيفيّة العمل مع الطّاقم الطّبّيّ وتساعد المرأة على فهم البروتوكولات الطّبّيّة، ستعوّض هذا النّقص، ومن المرجّح أن تزيد من  احتماليّة أن تكون الولادة أسهل".

فمثلاً، وأثناء الولادة، تُواجه العديد من النّساء مشاعر مركّبة حول تلقّي حقنة الإيبيدورال لتخفيف آلام الولادة.يتردد بعضهنّ فيما إذا كان عليهنّ طلب الإيبيدورال أو التّنازل عنه، وما هو التّوقيت الأمثل لتلقّيه، كما ويتساءلن عن سبب تأخّر تقديمه لهنّ في بعض الأحيان، وما إلى ذلك.

"تحلم العديد من النّساء بالولادة دون حقنة الإيبيدورال- وهو حلم معقول ومُعتبر، ولكن من المهمّ أن تقوم الدّولا بمساعدة المرأة أثناء المخاض على إبقاء هذا الخيار مطروحًا. طالما لم تلدي دون حقنة الإيبيدورال في السّابق، فلن تعرفي  ما إذا كنتِ تريدينها حقًّا أم لا. وطالما لم يبدأ المخاض بعد، فمن الصّعب تحديد ما إذا كان ذلك ممكنًا أم لا"، توضّح أرييلا. "إنّ الإيبيدورال ليس اختيارًا رفاهيًّا كما يتوهّم البعض؛ بل هو في بعض الأحيان وسيلةً فعّالة وضروريّة، حتّى أقوى النّساء قد يساعدهنّ الإبيدورال على التّقدّم في الولادة. بالمقابل، إذا كانت المرأة تعاني من الآلام الشّديدة، وكان جسدها متوتّرًا ومشدودًا للغاية، دون أن تتمكّن من الاسترخاء، فقد ينتهي بها الأمر إلى عمليّة جراحيّة. أحيانًا، يساعد التّفاهم بين الأمّ الوالدة والدّولا، وإدراكها  أنّنا نتواجد من أجلها فقط، في الحفاظ على ذهنٍ منفتح، حتّى لأولئك اللّاتي يرفضن الإيبيدورال بشكلٍ قاطع. الدّولا لا تعني بالضّرورة ولادة طبيعيّة- بل تعني ببساطة تجربة ولادة أفضل".

من ناحية أخرى، هناك نساء يرغبن في الحصول على الإيبيدورال دون تأخير، ولا يفهمن عدم استجابة الطّاقم الطّبّيّ لطلبهنّ. "في مثل هذه الحالات، تساعد الدّولا المرأة أثناء المخاض على فهم سبب كون ذلك غير ممكن أو غير مرغوب فيه، وتجد معها طُرقًا أخرى تُخفّف عنها، مثل: غاز الضّحك، الاستحمام أو جهاز TENS الّذي يساعد في تخفيف الآلام عن طريق إرسال نبضات كهربائيّة لطيفة إلى الجلد والأعصاب، وغيرها من الحلول..". تضيف أرييلا.


تشعر العديد من النّساء أثناء المخاض بمشاعر مركّبة حول تلقّي حقنة الإيبيدورال لتخفيف آلام المخاض. امرأة تتلقّى حقنة إيبيدورال | HenadziPechan, Shutterstock

تنظيم مهنة منتشرة بشكلٍ واسع

هل الولادة مع الدّولا أفضل دائمًا من الولادة من دونها؟ كلّا على الإطلاق. الدّولا ليست قابلةَ ولادة، ولا يُسمح لها بإدارة الولادة. في إسرائيل، تتطلّب الولادة المنزليّة المخطّط لها وجود قابلة، ولا يُسَمح لنساء أو لرجال لم يخضعوا للتّدريب المهنيّ بهذا المجال بتوليد النّساء في المنزل أو في مراكز ولادة غير طبّيّة.

في شهر مارس/آذار من هذا العام، نشرت وسائل الإعلام خبرًا مأساويًّا: تُوفّي طفل وُلد بولادة منزليّة في منزل في غوش عتصيون بعد ساعات قليلة من نقله إلى مستشفى شعاري تسيدك في القدس. تمّت الولادة في مركزٍ للولادة المنزليّة، يقع في منطقة معزولة لا يمكن الوصول إليها بوسائل النّقل. أعاق الموقع الإشكاليّ إلى صعوبة نقل الأمّ والمولود، وتأخير وصول سيّارة الإسعاف إلى المكان، لدرجة أن مرّت حوالي 45 دقيقة من لحظة الاتّصال  وحتّى وصول المساعدة الطِّبّيّة. طوال ذلك الوقت، قامت الدُّولا بإجراء عمليّة الإنعاش القلبيّ الرّئويّ للمولود الجديد وفقًا للتّعليمات الهاتفيّة. بعدها تمّ نقل المولود وأمّه إلى المستشفى، وبعد ساعات قليلة تُوفّي الطّفل. تبيّن، أنّ المركز قد تأسّس وأُدير على يدِ  دولا لا تملك أيّ تأهيلٍ طبّيِ، والّتي زعمت ا أنّها كانت على وشك إنهاء دورة تدريبيّة في التّوليد، أقيمت في الولايات المتّحدة وسمحت بالتّعلّم المُدمَج (Blended Learning) من إسرائيل.

يُعدّ هذا مثالًا نادرًا لا يُمجِّد مهنة الدُّولا، ولكنّه بالتّأكيد ليس الوحيد من نوعه. على سبيل المثال، في عام 2019، نشرت شركة أخبار القناة 13 تحقيقًا كشف كما زعم عن وجود مساعِدات ولادة (دولات) يدَّعين أنّ بإمكانهنّ إجراء تقنيّات لتغيير موضع الجنين- وهو إجراء طبّيّ مطلوب أحيانًا عندما يكون الجنين في وضعٍ مقعديّ في مراحل متقدّمة من الحمل، وقد يؤدّي تنفيذها بشكلٍ غير ماهر إلى الإضرار بالجنين. وثّق التّقرير دولا تعمل بطريقة ماريلوس marilus way -وهي طريقة تَدَّعي إنقاذ الأجنة من بعض المضاعفات باستخدام تمارين معيّنة- بينما كانت تقوم بفحص مراسِلة القناة (المُحقِّقة) باستخدام جهاز سونارٍ  متطوّر في قبوّ منزلها.

لا يفتقر الإنترنت إلى قصص عن تصرّفات غير مسؤولة، بل مستهرة وأحيانًا محتالة ومخادعة من دُولات غير محترفات. على سبيل المثال، هناك قصّة عن دولا أقنعت امرأة والدة برفض الخضوع لعمليّة قيصريّة، على الرّغم من أنّ جنينها كان يُظهِر علامات اضطراب شديدة. ودولا أخرى أقنعت امرأة حامل بالانتظار لفترة طويلة قبل الذهاب إلى المستشفى، فانتهى بها الأمر إلى الولادة في المنزل بشكلٍ غير مخطّط له.

حتّى اليوم، يوضّح موقع وزارة الصّحة أنّ عمل الدُّولا غير معرّف كمهنة في إسرائيل، ولم يتمّ تحديد أي معايير أو متطلّبات مهنية ية له. على الرّغم من أنّ المؤسّسات التّعليميّة لتدريب مساعِدات الولادة تمنح شهادات لخرّيجاتها، إلّا أنّ هذه الشّهادات لا تتمتّع بأيّ صلاحيّة رسميّة من قبل الدّولة. تحاول منظّمة "همنيفا" وغيرها من الهيئات الأخرى تنظيم المتطلّبات لتدريب مساعِدات الولادة، وتحقيق الاعتراف بعمل الدُّولا كمهنة، ووضع معايير مهنيّة موحّدة.

في غياب نظام لتنظيم هذا المجال، يتعيّن على العُملاء التّحلّي بالمسؤوليّة وتقدير الأمور بحكمةٍ، كما يفعلون مع أيّ متخصّص آخر يستعينون بخدماته. من المهمّ اختيارلدولا محترفة وذات خبرة، والحرص على أن تكون على داريةٍ بأنّ  دورها أثناء الحمل والولادة منفصلٌ عن أدوار الطّاقم الطِّبّيّ- وأنّها غير مؤهّلة للتّدخّل في مهامهم وقراراتهم. بل عليها التّركيز على الدّور الفريد الّذي تدرّبت على القيام به، وهو مساعدة الأمّ على خوض تجربة الولادة بأفضل طريقة ممكنة، وتعزيز قدرتها وتمكينها على مواجهة الولادة في الحالات الصّعبة، سواء كانت مع استخدام التّخدير الموضعيّ (الإبيدورال)، أو في حالات الولادة الّتي تتطلّب تحفيزًا للولادة، أو في الولادات بطريقة آليّة بمساعدة أجهزة، أو في الولادات القيصريّة.

تشرح أرييلا مثلاً أنّ المبدأ التّوجيهيّ الّذي تتّبعه في مهنتها هو مساعدة المرأة على الوصول إلى الولادة بعقليّة منفتحة، تتناسب مع الرّحلة غير المتوقّعة أحيانًا، والّتي تكون المرأة على وشك خوضها. "إنّ الحالة النّفسيّة الّتي تصل بها المرأة إلى الولادة تكون أحيانًا أكثر أهمّيّة ممّا يحدث على المستوى الفنّي؛ حتّى المرأة الّتي تنتهي  بولادة قيصريّة، أو تلك الّتي تخوض ولادة معقّدة أو طويلة، بإمكانها الخروج من الولادة بشعورٍ غامرٍ بالرّضا والقُوّة. يتعلّق الأمر بالعديد من العوامل، ولكن في النّهاية هناك قصة تتعلّق بطفل لا نعرفه، ولا نعلم ماذا سيحدث له في اللّحظة الحاسمة. إذا انطلقنا نحن -الأمّهات ومساعِدات الولادة– من مبدأ مفاده أنّه ليس من مسؤوليّتنا التّدمير أو البناء بل علينا أن نتعامل  مع الولادة بتقديس وإجلالٍ –على الرّغم من أنّني لست امرأة متديّنة– فمن الممكن أن تمرّ العملية برمّتها بسلام وسلاسةٍ أكبر".

إذا كنتِ على وشك الولادة، أو إذا كنتِ أنتِ أو أنتَ على وشك مرافقة الزّوجة/الشّريكة في غرفة الولادة، وتفكّرون في توظيف دولا، فتوجّهوا إلى مرحلة الاختيار بعقليّة ناقدة، واختاروا دولا تُشدّد على أهمّيّة التّعاون مع الأمّ والطّاقم المتخصّص. لا يكمن دورها في تقديم المشورة الطّبّيّة أو إخباركم بما تحتاجونه، بل في أن تكون موجودة هناك من أجلكم، لدعمكم ومساندتكم.

تشرح إيريت، الأمّ العزباء الّتي ذكرناها في بداية المقال، سبب اختيارها الولادة مع دولا: "عندما تكونين في مراحل متقدّمة من المخاض، وفي حالة وعي غريبة نوعًا ما، فأنت بحاجة إلى أشخاص حولك يلهمونك الثّقة بنفسك، يمنحونك الأمان ، ويسمحون لكِ، كما في الطّبيعة، على ولادة طفل سليم ومعافى من داخلكِ وأعماقكِ. تحتاجين أن يكون كلّ الاهتمام منصبًّا عليك، دون الحاجة إلى القلق بشأن احتياجات الآخرين. كل ما يهمّ هو أن تصل طفلتك إلى العالم بسلامة". إذا وجدتنّ الدّولا الّتي تستطيع جعلكنّ تشعرن بهذه الطّريقة، فاعلمن أنّكنّ قد اتخذتنّ الاختيار الصّحيح.

إحاطة: تقدِّم هذه المقالة معلومات علميّة عامة فقط، ولا ينبغي اعتبارها بديلًا عن المشورة الطِّبّيّة الشّخصيّة من قبل المتخصّصين.

0 تعليقات