لماذا يستغرق تطوير اللقاح سنوات عدة؟ ما الفرق بين اللقاحات الخاملة وتلك الموهنة؟ كيف تُسرِّع الهندسة الوراثية عملية تطوير اللقاحات؟ وماذا عن الأدوية؟

تُعتبَر اللقاحات من أهم الأمور التي تنقذ الحياة في تاريخ البشرية،، فهي تقي من الأمراض، المكوث في المستشفى، والوفاة. تعمل اللقاحات على مبدأ "تدريب" الجهاز المناعي كي يتصدى لمسببات أمراض جديدة وغير مألوفة. عند دخول جسم غريب وغير مألوف إلى أجسامنا،، يقوم جهاز المناعة بالتعرف إليه وإنتاج أجسام مضادة له تقوم بتحييده وتُمكِّن خلايا الجهاز المناعي من القضاء عليه. في اللقاح، يتم إدخال مسبب المرض بشكله الخامل أو الموهن، أو حتى إدخال أجزاء منه،، حتى يتعرف جهاز المناعة إليه فيكوّن أجسامًا مضادة و ذاكرة مناعية له، دون أن يتسبب اللقاح بالمرض فعلًا. فإذا ما دخل مسبب المرض الحقيقي لأجسادنا في المستقبل،، تقوم الأجسام المضادة بإحداث رد فعل مناعي سريع لكبح المرض والقضاء على مسببه.

تسبّب الفيروسات أمراضًا عديدة لدى البشر، من الإنفلونزا والحصبة حتى الإيدز. وبين هذه أمراض فتّاكة مثل داء الكلَب، الإيبولا، والجُدري. والفيروسات هي طفيليات إجبارية، فهي تستهدف وتغزو خلايا "عائلة" حتى تستطيع القيام بأبسط مقومات الحياة كالتكاثر وبناء البروتينات والأحماض النووية. تتألف الفيروسات من مادة وراثية - RNA أو DNA، ،يحيط بها غلاف مكوّن من وحدات قليلة من البروتينات،، وفي بعض الأحيان غشاء دهني. تقوم الفيروسات فور غزوها للخلايا العائلة بمضاعفة أعدادها من خلال "اختطاف" الأجهزة الخلوية والسيطرة عليها، ما يؤدي في نهاية المطاف إلى موت الخلية العائلة. 

فيروس كورونا المستجد،، والمعروف أيضًا بالاسم SARS-CoV-2، هو فيروس RNA حيواني المنشأ، كان مجهولا للعلماء ولم تتم دراسته والتعرف عليه بشكل كاف حتى الآن. يتضمن تطوير اللقاحات للفيروسات حيوانية المنشأ تحديات كثيرة وفريدة من نوعها على مستويات عدة، أهمها السباق مع الوقت.

ترتكز المرحلة الأولى من تطوير اللقاحات الفيروسية على عزل الفيروس وتنميته في بيئة مخبرية.، ولكون الفيروسات كائنات طفيلية،، يجب تنميتها داخل أنسجة من الخلايا الحيوانية الملائمة لها،، أو داخل بيض الدجاج المخصب. أما فيما يتعلق بفيروس كورونا،، فقد نجح علماء من عدة مختبرات بتنميته داخل أنسجة خلايا بعد بضعة أسابيع من اكتشافه. وهذه خطوة مهمة قد تتيح للعلماء دراسة خواص الفيروس البيولوجية الأساسية، حتى يتمكنوا من العثور على نقاط ضعفه.

 דרושה היכרות טובה עם הביולוגיה של הנגיף. מחקר על נגיף הקורונה החדש | צילום: SPUTNIK / SCIENCE PHOTO LIBRARY
دراسة بيولوجيا الفيروس والتعرف عليها أمر إجباري. بحث يجرى على فيروس كورونا الجديد| تصوير:: SPUTNIK / SCIENCE PHOTO LIBRARY
 

خامل أو موهن

تطورت على مدى السنين طرق عدة معتمدة لإنتاج اللقاحات.

في اللقاح الحي الموهن، تتم تنمية الفيروسات داخل خلايا مصدرها عائل آخر. كي يتكاثر الفيروس في هذه الظروف، يمر بعدة دورات من التطفر والتغير. وبعد أن ينتقل الفيروس عدة المرات من عائل إلى آخر، يصبح صعبًا عليه أن ينمو في العائل الأصلي، فيمسي موهنا. لا يستطيع الفيروس الموهن التسبب بالمرض في أجسامنا، لكن جهاز المناعة لدينا يقوم بالتعرف عليه وإبادته وتكوين ذاكرة مناعية ضده، وبذلك أيضا ضد الفيروس الأصلي الذي يسبب لنا المرض. وإذا كانت الخواص البيولوجية للفيروس معروفة وتمكن الباحثون من تحديد البروتينات المهمة لنمو وتكاثر الفيروس في خلايا العائل، يصبح من المستطاع إحداث طفرات متعمدة في هذه البروتينات لإنتاج فيروس خامل ليتم استعماله كلقاح.

للّقاحات الموهنة أفضليات عدة، فهي تُحدث رد فعل مناعيا قويا حتى بكمية قليلة من اللقاح، ما يقلّل التكاليف ويزيد الإقبال على تلقي اللقاح.

أما مساوئ اللقاحات الموهنة فتتجسد في عدم ملاءمتها للأفراد الذين يعانون من حالات نقص المناعة، كما هي الحال لدى المرضى الذين يتناولون أدوية لتثبيط المناعة بعد زرع الأعضاء لتجنب رفض العضو المزروع، أو لدى المصابين ببعض أنواع السرطان. بالإضافة إلى ذلك، هناك احتمال منخفض أن تحدث طفرة للفيروس قد تمكّنه من استرداد حيويته وقدرته على التكاثر داخل خلايا الإنسان، ما يجعل الفيروس يهاجم الجسم.

في معظم الأحيان، يتطلب تطوير اللقاحات الحية الموهنة معرفة عميقة وشاملة بالفيروس المُستهدف، وهذا أمر لا يتيسّر للفيروسات حيوانية المنشأ في إطار زمني قصير، كما أنّ خطر تحوّل الفيروس إلى عنيف قد يكون مرتفعا. نظراً لذلك، نرى أن اللقاحات الموهنة ليست مثالية وغير ملائمة لهذه الفئة من الفيروسات، ومن ضمنها SARS-CoV-2.

إحدى الطرق الأخرى هي استخدام اللقاحات الخاملة، حيث يتم تثبيط عمل الفيروس تمامًا باستخدام مواد كيميائية، بتعريضه للإشعاع، أو حتى الغلي. يقوم جهاز المناعة، عند إدخال الفيروسات الخاملة الى الجسم، بالتعرف إلى مكوناتها وإحداث رد فعل مناعي ضدها. يُعتبَر الرد المناعي للقاحات الخاملة ضعيفا مقارنة بالرد المناعي الذي تحدثه اللقاحات الموهنة، لذا يجب تعويض هذا النقص بإضافة عوامل مساعدة (Adjuvants)، إضافة إلى إعطاء اللقاح بعدة جرعات. رغم ذلك، تُعتبر هذه اللقاحات أكثر أمانا من الموهنة لغياب خطر استرداد الفيروس الميت لحيويته، وبالتالي يمكن استخدامها حتى لدى الضعاف المناعة وغيرهم من الفئات المعرّضة للخطر.

 

צריך להתאים את הגישה לנגיף המתפרץ. נגיפי קורונה | איור: emojoez, Shutterstock
يجب ملاءمة نوع اللقاح للفيروسات الحيوانية المنشأ. فيروسات كورونا الرسم: emojoez, Shutterstock

 

هندسة الفيروسات 

تعلمنا تجربتنا مع الفيروسات حيوانية المنشأ أن اللقاحات الخاملة غير كافية لإحداث رد مناعي بشكل كاف لمحاربة هذه الفئة من الفيروسات. يرجع عجز اللقاحات الخاملة في هذا السياق لكون هذه الفيروسات حديثة جدا ومجهولة تماما لجهازنا المناعي. وقد كانت التجربة الأخيرة لفعالية اللقاحات الخاملة ضد الفيروسات حيوانية المنشأ إبان اندلاع وباء الإيبولا الأخير ما بين 2014 -2017، حيث فشلت اللقاحات الخاملة التي طُورت ضد الإيبولا، وبالتالي عُلّق استخدامها. 

حتى نتغلب على ذلك، يمكننا الأخذ بطريقة حديثة تم استخدامها لتطوير لقاح rVSV-ZEBOV ضد فيروس الإيبولا، وهي موجودة الآن في مراحل متقدمة من الأبحاث السريرية. تعمل هذه الطريقة باستخدام فيروس لا يشكّل خطرا على الإنسان، من نوع Vesicuar stomatitis Indiana virus أو (VSIV) - وهو فيروس يصيب الحشرات والأحصنة والخنازير، وليس باستطاعته إصابة البشر- وهندسته وراثيا ليعبّر عن بروتين معين من الفيروس الذي نود تطوير اللقاح ضده.

استُخدم الـ VSIV مؤخرا لإنتاج لقاح ضد فيروس الإيبولا، حيث تمت هندسته وراثيا  ليعبّر عن بروتين الغشاء الأساسي عند فيروسات الإيبولا، لينشئ بهذه الطريقة فيروسا هجيناً باستطاعته إحداث رد فعل مناعي قوي شبيه باللقاحات الموهنة، ولكن دون أن تكون لديه القدرة على استرداد سماته المسببة للمرض. وقد حقّق بحث إسرائيلي - ألماني مشترك تم بإشراف د. رون ديسكين من معهد وايزمان للعلوم نتائج واعدة للقاح  تجريبي ضد الإيبولا بهذه الطريقة؛ تُعتبر هذه النتائج مؤشرا واعدا على إمكانية تطبيق هذه الطريقة في تطوير لقاح لفيروس كورونا الجديد.

 

أجزاء من فيروسات

تكمن إمكانية اخرى لتطوير اللقاحات في استخدام أجزاء من الفيروس عوضاً عن الفيروس نفسه. تُعرف هذه الأجزاء بالمستضدات، وهي الجزيئات العضوية التي يقوم جهاز المناعة بتشخيصها وإحداث رد الفعل المناعي ضدها. يتطلب اختيار المستضد معرفة شاملة لخصائص الفيروس البيولوجية، ويعتمد على أبحاث أولية لتشخيص المستضد الذي يثير رد الفعل المناعي الأفضل والأكثر ملاءمة لمسبب المرض. 

أما في سياق SARS-CoV-2، فبالرغم من حداثة الفيروس ومحدودية المعلومات عن مستضداته، قد يتمكن العِلم الحديث، من خلال أدوات تكنولوجية متطورة، أن يسرِّع عملية إيجاد المستضدات وتطوير لقاحات بناءً عليها. وبما أنه سبق فك الشيفرة الوراثية للفيروس في وقت قصير جدًّا بعد ظهوره، أصبح بمستطاعنا البحث في تسلسل الشيفرة الوراثية بواسطة نماذج رقمية ورياضية لإيجاد مستضدات محتملة فيه. 

بفضل هذه المكتشفات، بيّن باحثون ألمان أن الفيروس يغزو خلايا المضيف من خلال ارتباط بروتين المسمار (spike protein)، الموجود على غشاء الفيروس، مع بروتين ACE2، الموجود على أسطح خلايا الأنسجة الطلائية في المسالك التنفسية. ويعمل العلماء حاليا، بناءً على هذا الاكتشاف، على تطوير لقاح يعتمد على رد فعل مناعية ضد البروتين المسماري، لكونه مستضدا محتملا، حتى يقوم جهاز المناعة بتشخيصه وإنتاج أجسام مضادة ضده، ما يعيق قدرة الفيروس على الدخول إلى الخلايا المضيفة. 

يتطلب إنتاج لقاحات تعتمد على أجزاء فيروسية تنمية الفيروس على نطاق واسع. وهذا أمر صعب للغاية، إذ إننا نتعامل مع فيروس مستجد غير معروف وخطر، فيتحتم في هذه الحالة اللجوء إلى الهندسة الوراثية لإنتاج المستضد، حيث يتم تعديل خلايا جرثومية أو حيوانية وراثيا بواسطة إدخال جينات المستضد الفيروسي إليها، فتصبح هذه الخلايا "مصنعا" للمستضد الفيروسي وتنتج كميات هائلة منه ليتم عزلها وتنقيتها ومن ثم إدخالها في تركيبة اللقاح.

تم اعتماد هذه التقنية مؤخرا لتطوير لقاحات عدّة، منها لقاح ضد الإنفلونزا، حيث تم إنتاج مستضدات الإنفلونزا داخل خلايا حشرات، ولقاح آخر طُوِّر ضد فيروس الورم الحُليمي (بابيلوما) من خلال إنتاج مستضداته داخل خلايا فطريات أو حشرات. وتُعتبَر هذه الطريقة آمنة، إذ إنّ الخلايا المعدلة وراثيا تُنتج مستضدا فيروسيا خالصا ليس في وسعه التكاثر ولا إحداث أضرار بنفسه، ولكنه يُمكِّن جهاز المناعة من التعرف عليه وإنتاج أجسام مضادة ترتبط به لتحمينا إن أُصبنا بالفيروس لاحقًا. 

 

المادّة الوراثيّة كلقاح

تمّ في الآونة الأخيرة تطوير لقاحات مبتكرة تعتمد على استخدام المادة الوراثية للفيروس، أي RNA أو DNA، كمستضد عوضا عن استخدام مستضد بروتيني كما هو معهود حتى اليوم.

فبدلا من إنتاج كميات كبيرة من المستضدات البروتينية وعزلها في اللقاحات الاعتيادية، تقوم فكرة لقاحات الـ RNA على استخدام سلاسل "RNA رسول" (mRNA)، تحمل المعلومات لإنتاج البروتينات الفيروسية، وتسخيرها لإنتاج المستضدات الفيروسية في خلايا الجسم المضيف. يتعرف جهاز المناعة على هذه المستضدات كأجسام غريبة ويشرع بشن رد فعل مناعي ضدها. تعتمد لقاحات الـ DNA على مبدأ مشابه، يتضمن إدخال سلاسل DNA دائرية تحمل المعلومات لإنتاج المستضدات المنشودة في خلايا المضيف، حيث يتم نسخ الـ DNA إلى mRNA ومن ثم ترجمته إلى بروتينات فيروسية. 

وبالرغم من كون لقاحات المادة الوراثية واعدة من الناحية النظرية، إلا أنها تواجه تحديات عديدة من الناحية العملية والتطبيقية. ومن أهم هذه التحديات هو عجز جزيئات الـ RNA والـ DNA عن الدخول إلى خلايا المضيف بنجاعة. ويحاول الباحثون التغلب على هذه العقبة بواسطة استخدام حويصلات دهنية نانوية (liposomes) أو مواد بوليمرية، تثبّت مبنى الـ RNA وتعمل كحامل يُدخله إلى خلايا الهدف بدقة.   

ورغم أنّ لقاحات الـ DNA أكثر ثباتا بشكل عام، تُعتبر لقاحات الـ RNA أكثر ملاءمة لإنتاج اللقاحات الفيروسية، لكونها أنجع في تحفيز رد فعل مناعي قوي.

החומר הגנטי של הנגיף. גנום ה-RNA בנגיף קורונה | איור: vchal, Shutterstock

الهدف: المادة الوراثية الفيروسية. جينوم الـ RNA في فيروس كورونا| الرسم:  vchal, Shutterstock

 

لقاحٌ مقوًّى 

إذا ما ألقينا نظرة عن كثب على لقاحات الـ RNA، يتضح لنا وجود نوعين مختلفين قيد البحث والتطوير. يعتمد النوع الأول على إدخال كمية RNA ثابتة وكافية لإحداث رد فعل مناعي قوي وفعال، بينما يعتمد النوع الثاني على لقاحات RNA ذاتية التقوية (Self-amplifying mRNA vaccines)، تتألف من مستحضر حيوي مبتكر يدفع خلايا الجسم المستهدفة إلى إنتاج مقاطع الـ RNA المنشودة بداخلها بشكل متزايد، لتعزيز كميات المستضدات الناتجة، لتحرز بالتالي رد فعل مناعي معززا. للحصول على خاصية التقوية في هذا الصنف من اللقاحات، تتم عادة هندسة فيروسات صغيرة تعرف باسم فيروسات ألفا، حيث تُستبدَل مادتها الوراثية بسلاسل RNA المسؤولة عن إنتاج المستضدات الفيروسية المنشودة للقاح. وعند حقن الفيروس المُهندَس في الجسم، يقوم الفيروس بغزو الخلايا المجاورة لموقع الحقنة فيحولها إلى مصانع مستضدات دون أن يتمكن من التكاثر والانتشار إلى خلايا اخرى، وهكذا تكون جرعة متناهية الصغر من اللقاح كافية لإنتاج معزز للمستضدات وإحداث رد فعل مناعي قوي وفقا لذلك. تحاول شركات عدة اعتماد هذا النهج لإنتاج لقاحات فعالة لعدة فيروسات، من ضمنها فيروس زيكا، داء الكَلَب، الإنفلونزا، وفيروس نقص المناعة البشرية HIV. كما أظهرت بعض الأبحاث أن هذا الصنف من اللقاحات بمقدوره فعلًا أن ينتج رد فعل مناعيا مقوى ضد المستضدات. مع ذلك، قد يتحتم تقييد حجم الجرعات وعددها بشكل كبير، إذ تبين حصول رد فعل مناعي ضد الفيروس المهندس بعد عدة جرعات. 

تكمن أفضلية تطوير لقاحات الـ RNA في كونها منظومة عمل نمطية ومرنة للغاية. فإذا ما تم التوصل إلى مستحضر فعال يثير استجابة مناعية قوية ضد المستضد المطلوب، سيكون من السهل تعديل سلسلة الـ RNA وملاءمتها لمسببات الأمراض المختلفة لإنتاج أسرع للقاحات. إضافة إلى ذلك، لكون هذه اللقاحات قليلة التكلفة وسريعة الإنتاج، فهي غير مقيدة بالعملية المرهقة والطويلة لإنتاج المستضدات البروتينية في المختبر وتنقيتها.

قد تبدو لنا لقاحات الـ RNA واعدة جدًّا لأول وهلة، إلا أن الطريق إليها لا تخلو من العقبات والمصاعب - كما هي الحال عند تطوير أي لقاح او دواء جديد. ومن أهم هذه العقبات الحاجة الماسة إلى معرفة حيثيات البيولوجيا الأساسية للفيروس، حتى يتم تحديد مستضدات مناسبة. وتتضح أهمية مُلاءَمة المستضدات في المراحل المتقدمة للأبحاث. ففي محاولات سابقة لإنتاج لقاحات الـ RNA، أفضت التجارب السريرية البشرية إلى نتائج متواضعة جدا، بعدما أظهرت نتائج إيجابية وواعدة في التجارب على الحيوانات المخبرية. لذلك، لم تتم الموافقة على لقاح RNA للاستخدام البشري حتى الآن، وما زالت الأبحاث جارية في هذا المجال .

ثمة تطبيق آخر محتمل للقاحات الـ RNA، وهو استخدامها كلقاحات سلبية أو غير فعالة - لقاحات علاجية وليست وقائية تعتمد على إدخال أجسام مضادة للفيروس إلى أجسام المرضى المصابين به. ويمكن الحصول على هذه الاجسام المضادة إما عن طريق انتاجها بشكل اصطناعي في المختبرات أو من خلال استخلاصها من دماء أشخاص سبق أن أصيبوا بالمرض وتعافوا منه. تكون هذه اللقاحات عادةً باهظة الثمن، وذلك لمحدودية إنتاج أو استخلاص الأجسام المضادة بكميات كافية، إضافة إلى وجود تفاوت كبير في نجاعة العلاج بها. وهنا يأتي دور التطبيق المحتمل والشبيه بمبدأ لقاحات الـ RNA، حيث تعمل عدة مجموعات من الباحثين على استخدام لقاحات RNA لإنتاج أجسام مضادة ضد الفيروسات ومسببات الامراض الأخرى مباشرة في العضو المصاب أو المنطقة المصابة في الجسم عن طريق إدخال اللقاح اليها بشكل موضِعِّي. استطاعت مجموعة بحث امريكية مؤخرًا إنتاج لقاح RNA سلبي ضد فيروس الـ RSV، الذي يصيب الجهاز التنفسي عند الأطفال ما دون السنتين. وقد تبين في التجارب الأولية، التي تمت على حيوانات مخبرية، أن إعطاء اللقاح عن طريق جهاز الاستنشاق (Inhaler) أدى بالفعل الى إنتاج أجسام مضادة للفيروس في الرئتين مباشرة، ما أدى الى تراجع المرض وتعجيل الشفاء منه. وتبدو هذه النتائج واعدةً للغاية، بالرغم من كونها أولية فقط. 

 

مراحل تطوير اللقاح

إضافة إلى الجانب التقني في مراحل التطوير، يتكون الجزء الأكبر من تطوير اللقاحات من مراحل تنظيمية عديدة تهدف إلى فحص نجاعة اللقاح وسلامته. وبإمكاننا تقسيم مراحل التطوير إلى المراحل ما قبل السريرية والمراحل السريرية. 

المراحل ما قبل السريرية هي تلك التي تتم في مختبرات البحث الجامعية أو في مختبرات لصناعة الأدوية، وهي تستمر عادةً ما بين سنة وخمس سنوات. تتضمن هذه المراحل عزل الفيروس، تنميته في ظروف مخبرية، واختبار ملاءمة أنواع اللقاحات المختلفة على أنسجة من الخلايا والحيوانات المخبرية. حالما يتم تشخيص نوع اللقاح الأكثر ملاءمة، يبدأ العمل على تركيب مستحضرات مختلفة للّقاح وتقييم نجاعتها وسلامتها من خلال إجراء اختبارات على الحيوانات المخبرية. فإذا ما تراكمت الأدلة على نجاعة أحد المستحضرات وسلامته لدى الحيوانات المخبرية، يصبح اختبار اللقاح التجريبي على البشر من خلال المراحل السريرية ممكنا. 

يمكننا تقسيم المرحلة السريرية إلى أربع مراحل مختلفة. 

في المرحلة الأولى، يتم بدايةً تقييم سلامة اللقاح من خلال حقنه في عدد محدود لا يتعدى المئة من المتطوعين الأصحاء. تهدف هذه المرحلة إلى توثيق الآثار الجانبية للقاح، بالإضافة إلى المباشرة في تقييم الاستجابة المناعية بجرعات مختلفة من اللقاح. تُقسَم هذه المرحلة أحيانا إلى عدة مراحل فرعية. فمن أجل تقييم اللقاحات المخصصة للأطفال الصغار، على سبيل المثال، تُجرى عدة أبحاث فرعية منفصلة للفئات العمرية المختلفة: يتم اختبار اللقاح بدايةً على البالغين، ثم المراهقين والأطفال، وفقط في النهاية وبعد التأكد من سلامة اللقاح في الفئات العمرية الأخرى يتم اختباره على الأطفال الصغار.

في المرحلة الثانية يتم توسيع مجموعة البحث، فتعطى جرعات اللقاح إلى عدد أكبر من المتطوعين الذين سيتم تعريضهم لاحقًا لمسبب المرض إما بهيئته الطبيعية أو بصيغة مضعفة له. تهدف هذه المرحلة، مثل سابقتها، إلى تقييم سلامة اللقاح من حيث الأعراض الجانبية، ومن ثم اختبار فاعلية اللقاح في إنتاج رد فعل مناعي بالمقارنة مع المجموعات التي تلقت علاجًا وهميا أو لقاحا حاليا آخر. ويتم هذا الاختبار عبر التحقق من وجود أجسام مضادة لمسبب المرض في دم المتطوعين الذين تلقوا اللقاح التجريبي، ومن توفير اللقاح لأفراد هذه المجموعة حصانة مرضية أعلى من تلك التي في مجموعات الرقابة المختلفة. كما تتم في هذه المرحلة تعديلات إضافية في ما يخص تراكيز وعدد الجرعات اللازمة ليكون اللقاح أكثر فاعلية.

يتوسع البحث في المرحلة الثالثة إلى بحث سريري ضخم يضم آلاف المشتركين في مراكز طبية وبحثية عديدة في مناطق ودول مختلفة. عادة ما يكون شأن هذه المرحلة جمع معلومات وبيانات إحصائية قيّمة فيما يخص نجاعة اللقاح عند التعرض لمسبب المرض بشكل طبيعي. لذا يتم اختيار مراكز البحث وفقا لمناطق انتشار المرض وبغية محاكاة الظروف الحقيقية. فإذا ما كان اللقاح مخصصا لمرض ما في احدى الدول النامية مثلا، يتحتم ضم مراكز ومتطوعين من هذه الدول في هذه المرحلة من الأبحاث.

إذا ما ثبتت فعلا نجاعة اللقاح بالوقاية من المرض وتبينت سلامة اللقاح من حيث الأعراض الجانبية، قد يُسمَح للقائمين على تطوير اللقاح بعرض نتائج أبحاثهم ما قبل السريرية والسريرية على السلطة المنظمة كوكالة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) أو قرينتها الأوروبية (EMA) بغية ترخيص تسويق اللقاح للاستخدام البشري. تقع مسؤولية تنظيم وترخيص الأدوية واللقاحات في بلادنا على عاتق وزارة الصحة، التي تقوم عادةً بتأليف لجنة مهنية لدراسة نتائج الأبحاث السريرية وتقييمها. وإذا ما كانت نتائج الأبحاث مقنعة بما فيه الكفاية للسلطة المنظمة (وزارة الصحة)، يُرخَّص إستخدام اللقاح للاستخدام البشري، وعادة ما يكون الترخيص محددا لتراكيز وعدد جرعات محددة للقاح، بل ولفئة محددة من السكان. 

تستمر مرحلة الدراسات السريرية للقاح جديد سنوات عدة، وتتعلق هذه المدة طبعا بنوع اللقاح والفئة السكانية المستهدفة.

تبدأ المرحلة الرابعة من تطوير اللقاح فور ترخيصه واستخدامه على نطاق واسع، حيث يُعطى لمئات الآلاف بل الملايين من البشر، ما يتيح تشخيص عوارض جانبية نادرة وتوثيقها وتقييم فاعلية اللقاح على مدى فترة من الوقت.

 

أين نحن من تطوير لقاح لفيروس كورونا المستجد؟

انطلق السباق لتطوير لقاح ضد فيروس SARS-CoV-2 منذ أن استفحل الوباء وانتشر في أرجاء العالم. وتتواجد غالبية اللقاحات في ذروة الدراسات ما قبل السريرية في الجامعات ومراكز البحث وشركات الأدوية المختلفة. وتعتبر شركة موديرنا (Moderna Therapeutics) الأمريكية من الشركات الرائدة في هذا المجال نظرًا لتطويرها للقاح mRNA المرمَّز لانتاج البروتين الفيروسي S، نفس البروتين الذي يمكّن فيروس كورونا من غزو الخلايا الظهارية (epithel) في جهاز التنفس. وقد قدّمت الشركة مؤخرا مُستحضرها المبتكر إلى المركز الوطني الأمريكي للحساسية والأمراض المعدية (NIAID). بعد نيل مصادقة المركز على استيفاء المستحضر لمعايير إنتاج اللقاحات الصارمة المفروضة، تستطيع الشركة المباشرة بالمرحلة الأولى من الدراسات السريرية الأولية لاختبار سلامة اللقاح على 45 متطوعا سليما. يتلقى المتطوعون جرعات مختلفة من اللقاح، وتتم مراقبتهم من خلال 11 لقاء على مدى 14 شهرا بغية تقييم سلامة اللقاح أولاً ومن ثم تقييم نجاعة اللقاح في إحداث رد فعل مناعي. أما بالنسبة لنجاعة اللقاح في الوقاية من العدوى فتتم دراستها في المراحل المتأخرة للدراسات السريرية. فإذا أتت الدراسة الأولية هذه بنتائج مُرضية، تتمكن الشركة من الانتقال إلى لمراحل المتقدمة للدراسات السريرية. 

وفي مبادرة جماعية لعدة شركات أدوية تعمل بقيادة شركة Inovio Pharmaceuticals، يتم تطوير لقاح DNA يُعرَف بالاسم INO-4800. وكانت الشركة قد أعلنت إنهاءها مرحلة الدراسات ما قبل السريرية وبدأها بالدراسات السريرية في نيسان 2020. 

كما تسعى شركة Clover Biopharmaceuticals لتطوير لقاح يرتكز على بروتين مؤتلف (recombinant protein) لإنتاج رد فعل مناعي ضد البروتين المسماري S يَحُول دون ارتباطه بخلايا المسالك التنفسية واختراقها. يقوم البروتين المؤتلف بمحاكاة أجزاء مبنوية من البروتين المسماري ليتم تشخيصه كمستضد من قبل الجهاز المناعي وإنتاج أجسام مضادة ضده. وقد استهلت الشركة إنتاج المستضد المؤتلف في مزارع الخلايا وتسعى لإتمام تطوير المستحضر اللقاحي للدراسات المخبرية في غضون 6 - 8 أسابيع. 

أما محليا، فقد تمكن معهد ميغل الإسرائيلي من تطوير لقاح فموي ضد فيروسات كورونا لدى الطيور. ويعمل الباحثون الآن على ملاءمة لقاحهم لفيروس كورونا المستجد وللاستخدام البشري. وأشار الباحثون أنهم يأملون إتمام المراحل المخبرية لدراساتهم في غضون 3 شهور.

كما أشرنا سابقا، لا يقتصر تطوير اللقاح على ايجاد المستضد الملائم فحسب، بل يقتضي تعديل المستحضر اللقاحي على مستويات عدة من حيث تركيز الأملاح، الحاجة إلى إضافة عامل مساعد، ضبط عدد جرعات اللقاح، الفترات الزمنية التي يجب انتظارها بين كل جرعة من اللقاح، وأمور أخرى عديدة. ويتطلب ضبط هذه المقاييس اختبار رد الفعل المناعي الناتج عن صيغ اللقاح المختلفة بإمعان لضبط أنواع الخلايا المناعية التي يتم تفعيلها، مستوى الأجسام المضادة التي نتجت، ونجاعة الأجسام المضادة في تشخيص الفيروسات وإبطال مفعولها.

فور إتمام المرحلة ما قبل السريرية، ثمة حاجة إلى إنجاز كافة مراحل الدراسات السريرية لضمانة سلامة اللقاح ونجاعته لدى كافة الفئات المستهدفة، التي تشمل: منقوصي المناعة، الأطفال، النساء الحوامل، وغيرهم. تستغرق مرحلة الدراسات السريرية  سنوات عدة في العادة، إلا أن رئيس منظمة الصحة العالمية يأمل بأن لا تزيد عن سنة ونصف، بفضل المساعي العالمية المشتركة وتسريع إتمام الدراسات المخبرية. 

حتى بعد ترخيص اللقاح، يجب أن تُؤخَذ قدرة الشركات على إنتاج اللقاح وتسويقه في الحسبان. تُقدَّر السعة الإنتاجية الحالية للقاحات في حالة جائحة عالمية، كما هي الحال بالنسبة لـ COVID-19، بتوفير جرعتين من اللقاح لـ 40% فقط من سكان العالم. ستنخفض هذه النسبة بشكل ملحوظ إذا ما كنا في صدد إنتاج لقاح مبني على RNA أو DNA، لكونه لقاحا مبتكرا تفتقر الشركات إلى البنى التحتية والمنشآت الضرورية لإنتاجه على نطاق عالمي. 

وإذا أخذنا في الاعتبار صعوبة توزيع اللقاح في الدول النامية، فإن الوباء سيستفحل فيها لا محالة، حتى لو وُجد لقاح فعال.

מבחנה עם דם נגוע | אילוסטרציה: Soni's, Shutterstock
وسيلة أخرى: تطوير أدوية مشتقة من الأدوية الحالية للفيروسات. في الصورة: عيّنة دم لمصاب بالفيروس.|الرسم التوضيحي: Soni's, Shutterstock

 

ماذا عن الدواء؟ 

يمكننا تفسير قلّة العلاجات الدوائية للأمراض الفيروسية بالطابع الطفيلي للفيروسات. فهي تغزو خلايا أجسامنا وتستحوذ على أنظمتها، ولذلك تصعب مكافحتها دون إحداث ضرر بخلايا جسمنا. بناءً على ذلك، ترتكز مكافحة الفيروسات عادة على الوقاية منها بواسطة اللقاحات. إلا أن بعض الأدوية سبق أن أثبتت نجاعتها في علاج بعض الأمراض الفيروسية، ما يجعل بعض مراكز الأبحاث تبادر إلى تطوير دواء جديد أو ملاءمة دواء قائم لمكافحة فيروس كورونا المستّجد.

قد يعود الفضل في إيجاد دواء في الفترة القريبة إلى الجهود البحثية المركّزة التي تهدف إلى الكشف عن الآليات الحيوية لفيروس SARS-CoV-2، مثل طريقة غزوة للخلايا وكيفية التكاثر داخلها. اكتشاف آلية دخول الفيروس الى الخلايا عن طريق بروتيناته المسمارية، على سبيل المثال، أتاح البحث عن مركبات كيميائية أو مستحضرات دوائية قد تعيق دخول الفيروس الى الخلايا. وفي هذا الخصوص، تقوم شركة APEIRON Biologics باختبار نجاعة مركب يُدعى APN01، يعيق عملية ارتباط البروتين المسماري بالمستقبِلات الخلوية التي يستهدفها. ويتم حاليا اختبار سلامة المركّب ونجاعته ضمن المرحلة السريرية الأولى. 

كما تم تشخيص أهداف إضافية لتطوير الأدوية بعد أن تم التعرف على البروتينات التي يعتمد عليها الفيروس ليتكاثر وينتشر فور دخوله إلى الخلايا الطلائية (epithilial cells) في جهاز التنفس. 

من أبرز هذه الأهداف إنزيم RNA-dependent RNA polymerase المسؤول عن مضاعفة المادة الوراثية للفيروس. هذا بروتين خاص بالفيروس لا وجود له في الخلايا البشرية، ما يجعله هدفا لتطوير دواء. ومع توفر تسلسل جينوم الفيروس، بات بالإمكان إنتاج الإنزيم مخبريا للبحث عن مركبات تعيق عمله. كما أن هناك طريقة أخرى لاستكشاف الأدوية وهي المحاكاة الرقمية  لمبنى الإنزيم الفراغي.    

على نحو مماثل، تم تشخيص هدف علاجي آخر: إنزيم فيروسي مسؤول عن تعديل البروتينات الفيروسية الأخرى بعد ترجمتها في الخلايا العائلة. وقد أسفرت الجهود المركزة لفهم حيثيات هذا الإنزيم مؤخرا عن التعرف إلى مبناه الفراغي، وتبعا لذلك تحاول الآن بعض مجموعات الأبحاث إيجاد وتطوير أدوية معيقة لنشاطه الإنزيمي.

ولعل أكثر الأدوية المثيرة للتفاؤل هو remdesevir من شركة Gilead Sciences. هذا الدواء هو مركب مُناظر النيوكليوتيدات، التي تشكل أحجار البناء للـ RNA الفيروسي. وقد صُمّم remdesevir "ليخدع" إنزيمات الفيروس فتستخدمه في عملية بناء الـ RNA، ليقوم remdesevir بدوره بعرقلة العملية وبالتالي إعاقة تكاثر الأنزيم داخل الخلايا. تم تطوير remdesevir في بادئ الأمر كعلاج لفيروس الإيبولا، إلا أن نجاعته لم تثبُت من خلال الدراسات السريرية. وتجري في الوقت الحالي دراسات عدة لاختبار نجاعته في علاج مصابي الكورونا.

وتماما كما هو الأمر بالنسبة لتطوير اللقاحات والمصادقة عليها، يتطلب تطوير دواء جديد مراحل عديدة تستغرق الكثير من الوقت. وباءت محاولات التغلب على هذه المسألة من خلال اختبار الأدوية المتاحة لعلاج فيروس HIV أو الإنفلونزا ضد SARS-CoV-2 بالفشل حتى الآن.

 
 
 
الترجمة للعربيّة: د.علاء سمارة
التدقيق اللغوي والتحرير: د. عصام عساقلة
الإشراف والتدقيق العلمي: رقيّة صبّاح أبو دعابس

0 تعليقات