في هذه الأيّام، بينما نغرق يوميًّا في الأخبار حول الابتكارات الشّائقة في مجالات الذّكاء الاصطناعيّ، قد يكون من المدهش معرفة كيف بدأ كلّ هذا!

قام هوميروس، أحد أعظم شعراء اليونان القديمة، حوالي القرن الثّامن قبل الميلاد بتأليف الملحمتين الشّهيرتين: الأوديسة والإلياذة. وحتّى في حينه، قبل حوالي 3000 عام، ذكر هوميروس التّقنيات الّتي نعتبرها اليوم بلا شكّ من أنواع الذّكاء الاصطناعيّ، فقد ظهرت المركّبات ذاتيّة التّحكّم في الأوديسة.

ويمكن أن نجد في الإلياذة روبوتات تتمتّع بالذّكاء الاصطناعيّ:

مرورًا سريعًا نحو أوائل القرن العشرين. لن يظهر الحاسوب الإلكترونيّ إلا في غضون عقود قليلة، ولكن في إسرائيل، قد توقّع زعيم هبوعليم أ.د. جوردون في مقالته "الإنسان والطبيعة" أنَّ الفن سيعتمد مستقبلًا أيضًا على التّكنولوجيا: "هناك مَن يتنبّأ بأنّ الإبداع في المستقبل لن يكون فقط عملًا فكريًّا مركّبًا من تركيبات وروابط ذكيّة". وها نحن نشهد، في هذه الأيام بالذات، أنّ ادّعاءه يتحقّق أمام أعيننا، حيث تعيد بوتات الإنترنت المولّدة للصّور وبوتات الإنترنت لإنشاء النّصوص تشكيل عالم الفنّ والإبداع.


فكرة قديمة في التّفكير البشريّ. روبوت على شكل امرأة على ملصق من فيلم "متروبوليس" عام 1927 | المصدر: LIBRARY OF CONGRESS / SCIENCE PHOTO LIBRARY

آليّات ما وراء التّفكير 

على الرّغم من وجود الذّكاء الاصطناعيّ في الفكر البشريّ كفكرة منذ آلاف السّنين. نشأت الاكتشافات العلميّة الّتي سمحت بتحقيق ذلك غالبًا في القرن الماضي فقط. بعد مئات السّنين من التّفكير الفلسفيّ المجرّد حول طبيعة الفكرة، اتّخذ المجال منعطفًا عمليًّا عندما بدأ الباحثون والمنظّرون في صياغة أدوات للصِّيَغ المنطقيّة والشّكليّة اللّازمة لوجود آلة تُفكِّر.

كان عام 1943 عامًا مفصليًّا في تطوير المبادئ الأساسيّة للذّكاء الاصطناعيّ. تبنَّى عالِم الرّياضيات الأمريكيّ نوربرت وينر (Wiener) وعالم الفسيولوجيا المكسيكي أرتورو روزنبلويث (Rosenblueth) والمهندس الأمريكيّ جوليان بيجلو (Bigelow) في هذا العام، مبادئ النّهج السّلوكيّ (السلوكية Behaviorism) في مجال علم النفس. يتوجّه علم النّفس السّلوكيّ لدراسة سلوك الحيوانات، والبشر على وجه الخصوص، من خلال العلاقات المتبادلة بين سلوك الفرد والمحفّزات الّتي يتلقّاها من البيئة الخارجيّة. أشار العُلماء الثّلاثة إلى دراسة النّظم التّكنولوجيّة ذات الأدوات المماثلة؛ لتطوير نهج سلوكيّ لدراسة النّظم الحسابيّة.

في مقالهم "السّلوك والغرض والغائية" أشاروا إلى سلوك النّظام والمحفّزات الّتي يتلقّاها من البيئة، من حيث المخرجات والمدخلات على التّوالي. صنّفوا السّلوكيّات المحتملة للأنظمة وفقًا لكونها: ذات هدف/غرض وتلك الّتي بدون. نظام ذو هدف/غرض هو نظام يهدف إلى الوصول لحالة نهائية ما. قد يكون هذا التّعريف محيّرًا نوعًا ما، لأنّه لا يوجد على ما يبدو سبب لإنتاج جهاز بلا هدف، ولكن في الواقع هناك العديد من الأمثلة كهذه الأنظمة التّكنولوجيّة. على سبيل المثال، تخدمنا الساعات جيّدًا على الرّغم من أنّها ليست مصمّمة للوصول إلى وقت نهائيّ ما، بينما على لعبة الروليت أنّ تصل إلى حالة نهائيّة عشوائيّة، وليست حالة محدّدة مسبقًا.

وفقًا للباحثين، تحتاج الأنظمة الّتي تتصرّف بطريقة هادفة إلى تغذية مرتدّة (feedback)  من البيئة كمدخلات، وخاصّة تغذية مرتدّة سلبيّة، ممّا يُبطئ النظام عندما يميل نحو السّلوك غير المرغوب فيه. على سبيل المثال، هكذا يعمل المنظّم الذي يوازن سرعة المحرّكات البخاريّة. بنفس الهيئة، يمكننا التّعامل مع الأنظمة البيولوجيّة، كالدّماغ مثلًا، أي كنظم للتّغذية المرتدّة وللتّحكّم، لاحقًا، سيكون مبدأ التّغذية المرتدّة السّلبيّة أداةً مهمّةً في تصميم أنظمة التّفكير.

في نفس العام، نشر عالم الفسيولوجيا العصبيّة الأمريكيّ وارن ماكالوخ (McCulloch)، وعالم المنطق الأمريكي والتر فيتس (Pitts)، مقالة بعنوان "حساب منطقيّ للأفكار النّاشئة عن النّشاط العصبيّ". في تلك المرحلة، تبلور بالفعل الفهم الأساسيّ لبنية الجهاز العصبيّ. كما عرفوا أنّه يتكوّن من خلايا عصبيّة (عصبونات)، تتواصل مع بعضها البعض من خلال إشارات كهربائيّة تمرّ عبر ألياف طويلة تسمّى المحاور العصبيّة (Axons). ثمّ تصل الإشارات إلى نقاط الالتقاء بين الألياف العصبيّة لخلية واحدة وجسم خليّة عصبيّة أخرى، الَّتي تسمّى نقاط الاشتباك العصبيّ (synapse).

لكلّ خليّة عصبيّة هناك حدّ داخليّ للجهد الكهربائيّ، وعند تجاوز هذا الحدّ"تطلق" الخليّة العصبيّة وتنقل الإشارة إلى الخلايا العصبيّة المتصلة بها. يمكن لكل إشارة كهذه زيادة الجهد الكهربائي في الخلية المستهدفة أو التّقليل منه، وعندما يتجاوز الجهد حدّ معين، "تطلق" أيضًا الخليّة العصبيّة، وتنقل الإشارة إلى الخلايا التّالية في الشّبكة العصبيّة.

استخدم مكولوخ وفيتس أدوات رياضيّة لفحص كيف يمكن لمجموعة من الوحدات الهيكليّة، المُنظَمة في شبكة ما، والّتي تتوافق مع القواعد الأساسيّة للخلايا العصبيّة، أن تخلق إجراءات مركَّبة. أثاروا أيضًا إمكانيّة استخدام البنيّة الرياضيّة الّتي حدّدوها، والّتي تمثّل شبكة من الخلايا العصبيّة البشريّة، كآلة تورنغ - وهي فكرة مبسّطة طُوّرها عام 1936 عالم الرياضيات والكمبيوتر آلان تورنغ؛ لوصف كيفيّة عمل الحاسوب. بالتّالي، كلّما توسّعنا في معرفة الدّماغ، اتّضح أنّ نموذج مكولوخ وفيتس كان مبسّطًا، لكنّه كان كافيًا لإنشاء تماثل منظّم بين نشاط الدّماغ البشريّ ونشاط الآلة الحسابيّة.


يحاول المبنى الرياضيّ تمثيل شبكة من الخلايا العصبيّة بطريقة اصطناعيّة. تسجيل الخلايا العصبيّة لرائد أبحاث الدّماغ، سنتياغو رامون إي كاجال، 1904 | المصدر: SCIENCE SOURCE / SCIENCE PHOTO LIBRARY

اعتبرت هاتان المقالتان رائدتين في الطّريقة الّتي تعاملا بها مع أنظمة التّفكير كشبكات آليّة للعمل يمكن تحليلها بأدوات منطقيّة. استخدمت التّغذية المرتدّة كوسيلة للتّحكّم في عمليّة تشغيل هذه الشّبكات، وهي تستجيب للإشارات الخارجيّة ويمكن أن تنتج نشاطًا. كلّ هذا تمّ على أساس فهم بيولوجيّ أوّلي جدًّا للجهاز العصبيّ، وإنشاء تماثل بينه وبين عالم الإلكترونيّات، بناءً على مكونات تبديل الّتي بدورها ناقلة أو غير ناقلة للجهد الكهربائيّ.

نشر فاينر كتابه الأساسي "السِّبرانيّة" عام 1947، والّذي دفع حقلًا جديدًا في دراسة أنظمة الحوسبة، والّذي يتعامل مع المعلومات على أنّها المادّة الخام في الأنظمة الّتي تتواصل مع بعضها البعض. لا فرقًا جوهريًّا لهذه المسألة بين الدّائرة الكهربائيّة وأنظمة الاتّصال بين البشر أو الحيوانات. في كلتا الحالتين، يتعلّق الأمر بنقل المعلومات بين العناصر المشاركة في العملية.


مقالات رائدة للذّكاء الاصطناعيّ. والتر فيتس (من اليسار) ونوربرت فاينر | الصور: PHOTO (C) ESTATE OF FRANCIS BELLO / SCIENCE PHOTO LIBRARY

آلات قادرة على التّفكير؟

واجه تورنع في مقال كتبه في عام 1947، لكنّه لم يُنشر إلّا بعد عشرين عامًا، سؤالًا يقول: هل يمكن للآلة أن تفكّر؟ وأشار إلى معرفتنا بإمكانيّة إنشاء أجهزة تحاكي عمل الآليّات في جسم الإنسان، فمن المحتمل أيضًا إنشاء آليّة تفكّر بشكل اصطناعيّ. على سبيل المثال، يقوم ميكروفون التّسجيل بمهمّة مشابهة لمهمّة الأُذُن وتقوم الكاميرا بنسخ حركة العين. لذلك، عندما يتعلّق الأمر بالتّفكير، فإنّنا نسعى لتقليد عمل الجهاز العصبيّ.

أضاف تورنغ وادّعى بأنّه على الرّغم من إمكانيّة إنشاء دوائر كهربائيّة تحاكي الطّريقة الّتي يعمل بها الجهاز العصبيّ، لكن لا فائدة من السّعي لإعادة بناء الدّماغ بدقّة باستخدام الأدوات التّكنولوجيّة. وأشار إلى أنَّ الأمر سيكون مثل ابتكار "سيّارات تسير على أرجل بدلًا من عجلات". على غرار الجهاز العصبيّ، يمكن للدّوائر الكهربائيّة نقل المعلومات وحتّى تخزينها، لكنّ الجهاز العصبيّ أكثر كفاءة - فهو متكامل، ويستهلك القليل جدًّا من الطّاقة ومقاوم لآثار الزمن. وذكر أنَّ دماغ الطّفل يعادل آليّة غير منظّمة تنتظر استيعاب القوانين والمعرفة من العالم لتعلّم كيفيّة التّصرّف في العالم. على غرار علم النّفس السّلوكيّ، اقترح طرقًا لتعليم آليّة تفكير اصطناعيّة مشابهة للطّريقة الّتي يتمّ بها تعليم الأطفال، بناءً على شكل نظام المكافأة والعقاب.

اقترح تورنغ، في مقال آخر، عام 1950، ما يُعرف اليوم باسم اختبار تورنغ أو اختبار المحاكاة (Turing test)‏، المُعدّ لتمييز ما إذا كانت الآلة تتمتّع بذكاء حقيقيّ. مبنى الاختبار بسيط للغاية: على الشّخص الّذي لا يستطيع رؤية من أمامه إجراء محادثة مع الطّرف الآخر بلغة طبيعيّة. إذا كان غير قادر على تحديد من يتحدّث إليه - شخصًا أم آلة، فإنَّ الآلة قادرة على التّفكير.


لم يكن تورنغ واحدًا من آباء علوم الكمبيوتر فحسب، بل كان أيضًا بطلًا في الركض | الصورة:NATIONAL PHYSICAL LABORATORY (C) CROWN COPYRIGHT / SCIENCE PHOTO LIBRARY

كان عالم الرياضيات متعدّد الانجازات جون فون نيومان (Neumann) صاحب التّقدّم الجوهريّ التالي، الّذي مكّنت أفكاره من تطوير إينياك (ENIAC)، أوّل حاسوب إلكترونيّ يمكن برمجته بواسطة إعادة تمديد الأسلاك. أعرب فون نيومان في مقال من عام 1951، عن قلقه بشأن عدم وجود نظريّة رسميّة قائمة على المنطق للأتمتة - التّمثيل المجرّد للآلات الحسابيّة - الّتي من شأنها السّماح بتحقيق خصائص الجهاز العصبيّ في شبكة اصطناعيّة. إضافة إلى ذلك، ادّعى في التوسّع الّذي قدّمه ماكولوخ وفيتس حول الموازاة  بين الدّماغ البشريّ والآلات الحاسوبيّة، أنّه يترتّب على ذلك صياغة كلّ شيء بشكل شامل وواضح بواسطة الكلمات، يمكن تطبيقه على شبكة خلايا عصبية.

خطوات أولى

إحدى المحاولات المبكّرة لتطوير التكنولوجيا المستوحاة من هذه الأفكار هي بيرسيبترون Perceptron. قدّم عالم النّفس الأمريكيّ فرانك روزنبلات في عام 1958، آلة عملت على الاختيار بين فئتين، بين صورة رجل وصورة امرأة مثلًا. تتكوّن الآلة من عدّة طبقات: تكوّنت الأولى من مستقبلات ضوئيّة مصمّمة لتقليد عمل شبكيّة العين. أوصِلَت المستقبلات بطبقة ثانية تتكون من خلايا عصبيّة اصطناعيّة. ركّزت كلّ خليّة عصبيّة المدخلات من عدّة مستقبلات، وقررت وفقًا للإشارات الّتي تلقّتها ما إذا كانت ستضع علامة 0 أو 1. في النّهاية، قاموا بتقييم قرارات جميع الخلايا العصبيّة معًا، وتلقّوا قرارًا من 0 أو 1. هَدَفَ هذا النّاتج النّهائي إلى البتّ لأيّ من الفئتين المحتملين يُنسبالمُدخل المرئيّ الّذيي تلقّاه بيرسيبترون.

خضع الجهاز لعمليّة تعلّم من خلال ردود الفعل التي أُعطيت له على قراراته. يُزعم أنَّ آلة روزنبلات تعلّمت التّفريق بين العلامات اليُمنى واليُسرى وحتّى بين صور الكلاب والقطط.

أثار نشر النتائج ضجةً كبيرةً. ذكرت صحيفة نيويورك تايمز أنَّ "جنين الحاسوب الاصطناعيّ" سيتعلّم المشي، التّحدّث، الرّؤية، الكتابة وإعادة إنتاج نفسه ومعرفة وجوده". مع ذلك، عندما هدأت الضّجّة الأوّليّة، أصبحت قيود النّظام واضحة، فقد كان قادرًا على التّمييز بين المجموعات البسيطة فقط، وكان نطاق قدراته ضيّقًا، كان هيكل الآلة بسيطًا للغاية مقارنةً بالمهام المعقّدة.

طرح عالم الأعصاب البريطانيّ باتريك وول (Wall) في فيلم صدر عام 1961، سؤالًا مثيرًا للاهتمام: هل ستقدر الآلات على خلق فكرة جديدة؟ فعندما أنشأ علماء رائدون مثل إسحاق نيوتن، تشارلز داروين أو جاليليو جاليلي أفكارهم العظيمة، كان عليهم التّخلّي عن القوانين والافتراضات الأساسيّة الّتي اعتبروها صحيحة في حينه. تقوم الآلات بتنفيذ مهامها وفقًا للتّعليمات المسبقة. حيث تطيع القوانين الّتي يمليها عليها الإنسان.

لذلك، بالتّزامن مع تطوير الأساليب الرياضيّة لتحليل قدرات الشّبكات الاصطناعيّة، والخطوات الأولى لتحقيق التّكنولوجيا، جرَت الرّياح في اتجاهات عدّة. إلى جانب الرّؤية والأمل، نشأت شكوك كبيرة حول إمكانيّة وجود ميزات مثل الإبداع، الابتكار والاستقلاليّة في نظام يمكن تمسيته "بالذّكاء الاصطناعيّ".

ֿ

آلة "عرفت" الحسم بين خيارين، وهذا أيضًا مع وجود قيود. كاميرا نظام بيرسيبترون، 1960 | الصورة: National Museum of the U.S. Navy

ولادة الذّكاء الاصطناعيّ

واجه كلود شانون (Shannon) وجون مكارثي (McCarthy) مشكلة في عام 1955 عندما قاموا بتحرير مجموعة من المقالات المخصّصة للأتمتة. خُصِّص زء كبير من الأوراق المقدّمة لهم للرّياضيات الكامنة وراء الحوسبة، ولم يحاولوا معالجة الأسئلة المثيرة حقًا، على سبيل المثال، هل بإمكان الآلات ممارسة اللّعب أو التّفكير. ردًّا على ذلك، بادر الاثنان بعد عام، بالتّعاون مع بعض زملائهم، إلى مؤتمر صيفي خاص في كلية دارتموث في نيوهامبشير لجمع أفضل الباحثين من جميع المجالات التي تتعامل مع الآلات الذكية في مكان واحد، بهدف مشترك.

كان من المقرّر استمرار المؤتمر لشهرين، بحيث يضمّ عشرة مشاركين. أُُعلن أنَّ المشاركين سيعملون على فهم كيفيّة تعليم الآلات استخدام لغة الإنسان، وحلّ المشكلات الّتي ينفرد بها البشر والتّحسين نفسها بنفسها.

ضمّ مؤتمر دارتموث كوكبة فخمة من الباحثين من جميع المجالات المتعلّقة بالذّكاء الاصطناعي: علماء رياضيات، فيزيائيّون، علماء نفس ومهندسي كهرباء، ومجموعة من الباحثين الأكاديميين جنبًا إلى جنب مع ممثلي الجانب العمليّ في صناعة الحواسيب.

برز العديد من المشاركين قبل المؤتمر أو بعده بقليل: عمل شانون في مختبرات بيل واشتهر بمساهمته الرّائدة في نظريّة المعلومات؛ حصل مارفن مينسكي (Minsky) على جائزة تورنغ في عام 1969، والّتي تعتبر أرقى جائزة في علوم الحاسوب؛ وارين ماكولوخ وجوليان بيجلو؛ عالم الرياضيات جون ناش (Nash) الحائز على جائزة نوبل للاقتصاد عام 1994 لعمله في نظريّة الألعاب، وعالم النّفس هربرت سيمون (Simon)، الحائز على جائزة تورنغ (1975) وجائزة نوبل للاقتصاد (1978).

على الرّغم من قدومهم من مجالات مختلفة، وبتوجهات مختلفة لفكرة الذّكاء الاصطناعيّ، إلّا أنّهم جميعًا شاركوا بنفس الرّؤية. لقد اعتقدوا أنَّ الذكاء لا يقتصر فقط على المخلوقات البيولوجيّة، وأنّه من الممكن صياغة الفكر والتّعلّم من خلال الوسائل الرّياضيّة، وتطبيقها باستخدام الحاسوب الرّقميّ.


الأعمال الّتي مهّدت الطّريق للحاسوب الرّقميّ ولاحقًا - للذّكاء الاصطناعيّ. كلود شانون، من منظّمي مؤتمر دارتموث المصدر: PHOTO (C) ESTATE OF FRANCIS BELLO / SCIENCE PHOTO LIBRARY

لم يمكث جميع المشاركين في المؤتمر لمدّة شهرين كاملين كما كان مخطّطًا له، اكتفى البعض بشهر واحد فقط أو حتّى بأسبوعين. كانت النتائج المباشرة للمؤتمر قليلة، ولم تبرّر الادّعاءات العظيمة للمبادرين. مع ذلك، يرى الكثيرون أنّها مهَّدت لمجال الذّكاء الاصطناعيّ.

بالإضافة إلى حقيقة أنّ هذه هي المرّة الأولى الّتي استخدم فيها تعبير "الذّكاء الاصطناعيّ" لوصف المجال، حدّد المؤتمر أيضًا حدوده ومركّباته. اجتمع كبار الباحثين، العاملون مع أسئلة الذّكاء الاصطناعيّ في مجال خبرتهم الطّويلة، لأوّل مرّة جنبًا إلى جنب مع هدف معلن للنّهوض بالبحث. هنا أيضًا، صيغت الأسئلة الرّئيسيّة في المجال وجُمّعت، وحُدِّدت الأهداف والطّموحات المستقبليّة.

في العقود القادمة، سيتطوّر وسيتحسّن الذّكاء الاصطناعيّ أكثر من العقود الماضية. سيتّخذ شكلًا جديدًا كلاعبة داما وفنّانة في الشطرنج، وسيتعلّم كيفيّة التّعامل مع مهام مثل حلّ المتاهات، تطوير مهارات المحادثة ومواجهة جدران الحدود الحسابية لفترة من الوقت، خلال الأزمة الّتي ستسمى "الشّتاء الأوّل للذّكاء الاصطناعيّ". كما نعلم اليوم، سيعرف كيف يستيقظ من هذا الرّكود ويكسر حدودًا جديدة يوميًّا. ومع ذلك، لا تزال بعض الأسئلة الأساسيّة مثل ماهية الذكاء، وما إذا كان الحاسوب قادرًا على خلق فكر جديد، في انتظار الإجابة حتى اليوم.

كُتِب المقال مع الإشارة المتكرّرة إلى كتاب باميلا مكورداك "آلات الحوسبة". الطبعة العبرية: 1985 من الإنجليزية: نعومي كرمل.

 

0 تعليقات