ضفادع، أعصاب وجدَلٌ علميّ: هذا العام يصادف مرور 216 سنة على اختراع البطاريّة الكهربائيّة

كانت الكهرباء هي الموضوع العلميّ السّاخن في نهاية القرن الثامن عشر. كان لويجي ݞالفاني (Galvani)، الفيزيائيّ، البيولوجيّ، الطبيب والفيلسوف الإيطاليّ، أحد العلماء الّذين أبدوا اهتمامًا بالغًا في هذا الموضوع. أجرى ݞالفاني، في إطار دراسته في مجال التشريح، سلسلة من التجارب على الحيوانات، وذلك سنة 1780. قام ݞالفاني، في إحدى هذه التجارب، بربط فلزّين مختلفين، من الأرجح أنّهما الزنك والفضّة، برِجلَيْ ضفدع، فلاحظَ لدهشته انطلاق شرارة كهربائيّة جعلتهما تنقبضان. تفاجأ واندهش ممّا شاهدَ وواصلَ بحث حركة عضلات أخرى عند توصيلها إلى موادّ موصلة للكهرباء. 

حَسِبَ ݞالفاني في البداية أنّه اكتشف صورة جديدةً من الكهرباء تنتج في أجسام الحيوانات وسمّاها "الكهرباء الحيوانيّة". خمّنَ ݞالفاني أنّ كهرباء سائلة تُنتَجُ في دماغ الضفدع، وتُنقَل عن طريق الأعصاب وتُخزنُ في العضلات. عندما ألصق سكينًا بعصب الضفدع المكشوف، فُرّغَت الشحنة الكهربائيّة المخزونة في العضلة في السكين؛ ما أدّى إلى مرور تيّار كهربائيّ لينتج بدوره الشرارة. أثار نشرُ هذه الدراسات انفعالًا كبيرًا في الأوساط العلميّة وألهم العلماء لإجراء التجارب المستحدثة وعلاج شلل العضلات الّذي اعتمد على الكَهربة. كان الفيزيائيّ والكيميائيّ ألساندرو ڤولتا (Volta)، وهو من نفس موطن ݞالفاني، أحد العلماء الّذين تابعوا الأبحاث الّتي أجراها ݞالفاني باهتمام بالغ، فأثارت تجربة الضفدع الفضول وحبّ الاستطلاع لديه، ونجح في إعادتها. إلّا أنّ التشكيك رافقَ حبّ الاستطلاع. كان ڤولتا على قَناعة بأنّ تفسير ݞالفاني للظاهرة منقوص وأنَّ الكهرباء لا تنتج عن طريق الضفدع ذاتها وإنّما الموادّ الفلزّيّة الّتي تمّ ربطها بها هي الّتي تنتجها، أمّا الضفدع فدوره يقتصر على توصيل الكهرباء. حاول ڤولتا، لإثبات فرضيّته، إنتاج تيّار كهربائيّ باستخدام موادّ موصلة فقط، بدون الكائن الحيّ. خلقت فرضيّته هذه شقاقًا بين العلماء. أيّدَ بعضهم نظريّة ݞالفاني بشأن الكهرباء "الحيوانيّة" بينما دعمَ آخرون ڤولتا واعتقدوا، مثلما اعتقد هو، بأنّ الكهرباء ال"حيوانيّة" ما هي إلّا تدحرج جديد لظاهرة الكهرباء الفيزيائيّة المعروفة.


حافظَ على احترام خصمه حتّى بعد فوزه في الجدل الّذي دار بينهما. ڤولتا | المصدر: ويكيبيديا

إقفال الدائرة
استطاع ڤولتا، بعد العديد من المحاولات، قياس تيّار كهربائيّ ضعيف عندما وضع قطعة قماش مبلّلة بالماء المالح أو بحمض الكبريتيك بين لوحتين رقيقتين من الزنك والنحاس. يدلُّ التيّار الكهربائيّ على حركة الإلكترونات- الجسيمات الأساسيّة المشحونة بشحنة كهربائيّة سالبة. عندما وضع ڤولتا مادّة حِمضيّة بين الزنك وبين النحاس، حصل تفاعلٌ كيميائيّ بقيت على أثره الإلكترونات الحرّة في الزنك بينما نقصت الإلكترونات من النحاس. سارعت الإلكترونات في التدفّق من الزنك إلى النحاس عبر المادّة الموصلة، بمجرّد ربط لوحتي الزنك والنحاس بها، وبذلك تكوّنَ التيّار الكهربائيّ.  

أَلصقَ ڤولتا عدّة طبقات من الزنك- القماش- النحاس ببعضها مكوّنًا كومة عموديّة وذلك بهدف زيادة شدّة التيّار الكهربائيّ. سمّى هذا الترتيب "الكومة الڤولتيّة" وتمكّن بذلك، لأوّل مرّة، من تكوين تيّار كهربائيّ متواصل زمانًا ومكانًا. نشر ڤولتا سنة 1800 نتائج أبحاثه ودراساته حول ما أصبح، عمليًّا، أوّل بطاريّة كهربائيّة.  

حظي ڤولتا بفضل اختراعِه الانقلابيّ هذا على التقدير والاحترام الفائقين في الأوساط العلميّة، لدرجة أنّ نابليون بونابرت، قيصر فرنسا آنذاك، دعاه لعرض نتائج تجاربه. فاز ڤولتا بالكثير من الجوائز وشهادات وأوسمة التقدير إلى أن وافته المنيّة سنة 1827. تمّ تخليد ذكره فيما بعد بتسمية وحدة قياس الجهد الكهربائيّ بالـ"ڤولت"، كما سُمّيت باسمه شركة مشهورة لإنتاج البطاريّات. 

توفي ݞالفاني سنة 1798، قبل عامين من اختراع البطاريّة وقبل أن يحظى بمشاهدة نجاح خصمه. لم يستغلّ ڤولتا الفرصة للانتقام من خصمه المُتوفَّى، على الرغم من أنّ اكتشافه أضعفَ نظريّة الكهرباء الحيوانيّة إلى حدٍّ كبير، بل على العكس، فإنّه واظب على المحافظة على تقدير واحترام خصمه وصاغَ مصطلح ""الݞلفانيّة" لوصف ظاهرة انقباض العضلات نتيجة للتحفيز الكهربائيّ. 

لذا يتحتّم علينا تذكّر الاحترام المتبادل الّذي سادَ بين عالِمَيْن  تنافسا على اكتشاف ٍ علميّ كبير كلّما أردنا تبديل البطاريّة في أحد الأجهزة أو الأدوات الكهربائيّة، كما ونتذكّر الضفدع الصغير الّذي ساهمَ في تقدّم العلم والتكنولوجيا. 

 

0 تعليقات