من هو ابن سينا؟ وما هي أهمّ إنجازاته؟ وما هي علاقته بالكورونا؟ وهل شاهد حقًّا مرور كوكب الزهرة قبل ما يقارب ألف عام؟

  أبو علي الحسين بن عبدالله بن علي بن سينا، الشيخ الرئيس وأمير الأطبّاء والمعلّم الثالث بعد أرسطو والفارابيّ، طبيب، فيلسوف، شاعر وعالم موسوعيّ إيرانيّ، وُلد في أغسطس سنة 980 ميلاديّ، بالقرب من بُخارى (أوزبكستان اليوم) في قرية يُقال لها أفشنة، ومنها تزوّج أبوه بأمّه واسمها ستّارة. ثمّ انتقل إلى بُخارى واشتغل فيها بالفقه والأدب وحفظ القرآن وهو ابن عشر سنوات، ولما قدم أبو عبدالله الناتلي المعلّم المتفلسف إلى بُخارى، صار ابن سينا يتلقّى دروس العلم عنده، فصار يقرأ كتاب إيساغوحي لفُرفُريوس الصوريّ والمجسطي لبطلميوس ويسأل معلّمه ليبيّن له الصواب من الخطأ، وعندها اختبر ابن سينا معلّمه فلم يفهم المعلّم الناتلي ما عرضَه عليه ابن سينا. وهكذا بدأ ابن سينا مسيرته العلميّة شاقًّا طريقه ليصل أعلى مراتب العلم، وهنا افترق المعلّم والتلميذ وبدأ ابن سينا بعد أن فاق معلّمه بقراءة الكتب بنفسه، فأحكم علم المنطق وكتاب المجسطي، وبعدها قرأ كتب الطبّ وهو ابن ستّ عشرة سنة، فعِلمُ الطبّ كما قال ليس من العلوم الصعبة، وقرأ كتاب ما بعد الطبيعة (ميتافيزيقا) وحصل على كتاب لأبي نصر الفارابي في أغراض ما بعد الطبيعة من دلّال اشتراه بثلاثة دراهم.

في ذلك الوقت، كان سلطان بخارى نوح بن منصور قد أُصيب بمرض عجز الأطبّاء عن مداواته، فطُلب ابن سينا بسبب شهرته، وعند السلطان مكتبة استطاع ابن سينا أن يدخلها ويحصل على علوم لم يحظَ بها غيره، وقد أُحرِقت هذه المكتبة وقيل إنّ ابن سينا أحرقها كي ينفرد بالعلوم وحده. 

بدأ الكتابة وهو ابن إحدى وعشرين سنة، فصنّف في الفقه والتفسير والمنطق والطبيعيّات والإلهيّات وغيرها، وبعدها تُوفي والده، وانتقل ابن سينا إلى كركانج وبعدها تنقّل بين البلدان ووصل إلى جرجان قاصدًا الأمير قابوس، وفيها رافقه تلميذه أبو عبيد الجوزجانيّ الّذي نقل سيرته بعد وفاته، وقد توفي ابن سينا عام 1037 م بمدينة همدان في إيران. ويُشار إلى أنّه أثناء مرضه كان قد حقن نفسه ثماني مرّات بيوم واحد.


تمثال لابن سينا في فيينا في النمسا | Wikiwand

موسوعة علميّة بلا حدود

صنّف ابن سينا ما يزيد عن أربعمئة وخمسين كتابًا، لم يصل إلينا منها سوى ما يقارب المئتين وأربعين كتابًا. ومن أهمّ الكتب الّتي ألّفها هي كتاب الشفاء الّذي تناول فيه المنطق والطبيعيّات والرياضيّات وفي الرياضيّات علم الهيئة وهو علم الفلك في أيّامنا هذه، والإلهيّات (ما بعد الطبيعة أو الميتافيزيقا). وقد يظنّ البعض أنّ ابن سينا قد تطرّق لعلوم الطبّ في هذا الكتاب من العنوان وهذا غير صحيح، فقد اعتمد ابن سينا فيه على كتاب إيساغوجي بالمنطق، وعلى كتاب المجسطي في الرياضيات، وغيرها من كتب اليونانييّن. 

وكتاب القانون في الطبّ، الّذي يشتمل على علم وظائف الأعضاء وعلم الصحّة وعلم الأمراض وعلم المعالجة والمادّة الطبيّة. وظلّ كتاب القانون في الطبّ، كغيره من كتب ابن سينا، مرجعًا وأساسًا للبحث الطبّيّ والعلميّ في جامعات أوروبا، وبالتحديد فرنسا وإيطاليا حتّى القرن الثامن عشر. اشتهر ابن سينا بالفلسفة، الّتي كانت سببًا في أنّ بعض علماء المسلمين قد قالوا عنه إنّه ملحد وخرج عن الإسلام في جزء من معتقداته، من أمثال أبي حامد الغزالي في كتابه "المنقذ من الضلال" وغيره. لكن في كتاب وفيّات الأعيان لابن خلّكان، ذُكِر في ترجمة الشيخ الرئيس أنّه قال في آخر أيّامه بعد أن أهمل مداواة جسمه: "المدبّر الّذي في بدني قد عجز عن تدبيره فلا تنفعني المعالجة.... تاب وتصدّق بما معه على الفقراء ... وجعل يختم كل ثلاثة أيّام ختمة"، وقد يستدل من هذا عن معتقداته وإيمانه والله تعالى أعلم.  

استطاع ابن سينا اِكتشاف الدودة المستديرة في مجال الطبّ والّتي يسمّيها الأطبّاء الانكلستوما، وهو أوّل من وصف الالتهاب السحائيّ، وأوّل من ميّز بين الشلل الناتج عن سبب داخليّ في الدماغ والشلل الناتج عن سبب خارجيّ. وأوّل من كشف عن طرق العدوى كأمراض الجدريّ والحصبة. وذكر أنّها تنتقل عبر بعض الكائنات الحيّة الدقيقة في الجوّ والماء. وقال: "إنّ الماء يحوي حيوانات صغيرة جدًّا لا تُرى بالعين المجرّدة، وهي الّتي تسبّب بعض الأمراض...". وله مؤلّفات في مجال الموسيقى وعلم طبقات الأرض وعلم الفلك والطبيعة وغيرها، ففي حالات رصد النجوم وضع ابن سينا آلات لم يُسبَق إليها.


عن اليمين:مخطوطة لصفحة الغلاف لكتاب القانون في الطب في روما عام 1593 معن الشمال: صفحة الغلاف لكتاب إيساغوجي من عام 1952م 

ابن سينا والكورونا  

في مقال نشرته صحيفة القبَس الكويتيّة بتاريخ 07.04.2020 "نصائح ابن سينا تُطبَّق في زمن الكورونا" مفاده أنّ ابن سينا قال: "الوهم نصف الداء والاطمئنان نصف الدواء والصبر بداية الشفاء". فقد تنبّأ ابن سينا أنّ بعض الأمراض تنتقل بواسطة الميكروبات وأمر الناس بالعزلة أربعين يومًا، وسمع تجّار البندقيّة بهذا الكلام ونقلوه إلى إيطاليا. فكلمة (quarantine) بالإيطاليّة تعني الأربعينيّة. فكانوا يعزلون ركّاب السفن أثناء الموت الأسود (الطاعون) الّذي اجتاح أوروبا بين سنوات 1347م و-1352م. من الجدير ذكره، في عام 1956م صدر فيلم روسيّ بعنوان (Avicenna) وفي أحد المشاهد يلتقي ابن سينا بالعلّامة أبي الريحان البيرونيّ، يحاول البيرونيّ معانقة ابن سينا فيتراجع ابن سينا للخلف، ويطلب إحضار ملابس وماء الخلّ ليغسل يده ووجهه، ويعلّل ذلك بأنّ هذا ما يجب اتّباعه في البلاد الّتي ينتشر بها الطاعون (المرض الأسود). يقول ابن سينا في المقطع إنّ الأمراض تنتشر عبر مواد صغيرة لا تُرى بالعين المجرّدة، وأعطى ابن سينا تعليمات مثل التخلّص من الخوف ومنع التجمّعات وإغلاق الأسواق.
بعد هذا الخبر، عجّت مواقع التواصل الاجتماعيّ في الوطن العربيّ بأخبار ابن سينا وكيف تنبّأ بمرض الكورونا، هذا وقد قامت بلديّة مدينة همدان في إيران بوضع الكمامة على تمثال ابن سينا، لتُلزم النّاس بتعليمات الصحّة العالميّة في جائحة كورونا قبل عامين.


بلدية همدان في إيران تُلبس تمثال ابن سينا الكمامة. تمثال ابن سينا - همدان | ISNA PHOTO

رصد مرور كوكب الزهرة عبر التاريخ

في أعقاب مرور كوكب الزهرة بتاريخ 05.06.2012، قام الباحث الهنديّ راميش كابور بدراسة نُشرت في سبتمبر عام  2012، تؤكّد بأنّ ابن سينا قد رصد مرور كوكب الزهرة بتاريخ 1032/05/24، وخلص فيها إلى أنّ ابن سينا عندما قال إنّه رأى الزهرة كبقعة ضوء على سطح الشمس كان يقصد ذلك، رغم أنّه لا يمكن استبعاد احتمال البقع الشمسيّة تمامًا. وفي دراسة أخرى قام بها الباحث الإيرانيّ د. أمير محمّد كاميني من جامعة طهران بعنوان "مرور كوكب الزهرة وترتيب الكواكب بالنسبة للأرض في العصر الإسلاميّ"، يبيّن فيها أنّه بإمكان ابن سينا رصد  مرور كوكب الزهرة ومشاهدته. 

أشارت الكاتبة الأمريكيّة نوعمي باساشوف في مقال نشرته بتاريخ 10.09.2012 بعنوان: "مرور كوكب الزهرة: موت ومعضلات"، إلى أنّ إمكانيّة رصد كوكب الزهرة عام 1032م على يد العالم المسلم ابن سينا واردة، وقد اقتبست أقوال الباحث الهنديّ كابور مؤكّدة أنّ ما رآه ابن سينا ليس مجرّد بقعة شمسيّة.

على الرغم من تنبّؤ الفلكي الألمانيّ يوهانس كبلر بمشاهدة مرور كوكب الزهرة عام 1631م، إلّا أنّ الفلكيّ الإنجليزيّ يرميا هوروكس قد رصد كوكب الزهرة عام 1639م، وهي أولى الملاحظات المسجّلة لرصد كوكب الزهرة. لكنّ ابن سينا قد سبقه بستمئة عام، وتوالت الأبحاث بمرور السنين وفي عام 1769م استطاع الفلكيّ الأمريكيّ ديفيد رايتنهاوس رصد مرور كوكب الزهرة على سطح الشمس، وأكّد أنّ لكوكب الزهرة غلافًا جويًّا وقد كانت نتائج أبحاثه مشابهة لنتائج أبحاث العالِم الروسيّ ميخائيل لومونوسوف، الّذي ذكر أنّ لكوكب الزهرة غلافًا جويًّا أثناء مروره عام 1761م.   

وفي تاريخ 20.01.2022، تناقلت وسائل التواصل الاجتماعيّ خبرًا مفاده أنّ المصوّر الفلكيّ الأمريكيّ الشهير أندرو مكارثي خاطر ببصره لالتقاط صورة مذهلة لكوكب الزهرة أثناء مروره بالقرب من الشمس، وكان من الممكن أن يفقد بصره بسببها.

عرضنا في هذا المقال استعراضًا لأبرز ما جاء في المراجع المختلفة حول العالم المسلم ابن سينا وذكرنا أهمّ إنجازاته، وناقشنا رصد مرور كوكب الزهرة بعد أن تبيّن لنا أنّ الفلكيّين أكّدوا مرور كوكب الزهرة، وبهذا يمكن ترجيح كون ابن سينا قد رصد حقًّا مرور كوكب الزهرة، على غرار ما أثبتته الأبحاث في القرون الماضية. كما قدّمنا آخر الأخبار بشأن رصد كوكب الزهرة والصورة الّتي التقطها المصوّر أندرو مكارثي في شهر يناير من هذا العام. ومما لا شكّ فيه، هو أنّ ابن سينا واحد من عباقرة العلماء والباحثين الجهابذة الّذين سيذكرهم التاريخ مدى الحياة.

 

 

 

 

 

2 تعليقات

  • אנונימי

    مقالة رائعة ومثرية كلام من

    مقالة رائعة ومثرية كلام من ذهب بارك الله بالكاتب

  • محمود عمري

    أشكرك بارك الله فيك