نص السؤال الأصلي:  قد سمعت ان الكركند (جرادُ البحر) يعيشُ إلى الأَبد هل هذا صحيح؟ شلومي


مرحبًا شلومي، وشكرًا على سؤالك!

"لتبقَ شابًّا للأَبد"، يتمنّى بوب ديلن لمستَمِعينَ في قصيدته المشهورة. فكرة الحياة الأبديّة أَشغلَتِ الإنسانَ خلال مئاتِ وآلاف السِّنين. طُرِحَتِ اقتراحاتُ حُلُولٍ مخلتفة لمشكلة الموت الّذي يترصَّدُ كلَّ كائن حيّ؛ مشروب الآلهة وطعام الآلهة أمبروزيا في الأساطير؛ الشُّربُ من ماء الحياة الّذي يجدِّدُ كلّ خليّة وخليّة في جِسمنا؛ واليومَ عمليّات تجميل، تساعِدُنا في الإحساس بأَنّنا سنعيشُ للأبد مع أنّه لم نجد عمليًّا علاجًا للموت.

هل يمكنُ أن تكون الإجابة للحياة الأَبديّة، موجودةً بين جنباتنا دائمًا، داخل صحنٍ مُزخرف في مطعمٍ فرنسيّ؟


كركند | توضيح: شاطرستوك

مناسبٌ للكركند وليس للإنسان
ينتمي الكركند إلى أُمّة مفصليّات الأَرجُل، تحت أُمّة السَّرطانيّات، لرتبة عشاريّات الأَرجل ولعائلة النّافروفيديّات. هو مخلوق لا فقريّ له هيكل خارجيّ صُلبٌ يساعِدُهُ في الحماية.

يتميّز بنو البشر وثديّات أخرى، بوتيرةِ نموّ مرتفعة في المرحلة الجنينيّة، وفي بداية حياتهم، لكنّهم يتوقّفونَ عَنِ النّموّ عند الوصول إلى حجم البالغ: يبقى الطُّولُ والوزن بدونِ تغيير تقريبًا.

بالمقابل، فقد وجد باحثونَ أَنّ الكركند يستمرُّ في النّموّ طيلة حياته! صحيحٌ أن وتيرة النّموّ تقلّ مَعَ الوقت، لكنّها لا تتوقّفُ حتّى في المراحل المتأَخّرة مِنَ الحياة. يمكنُ أن يَصِلَ الكركند إلى طولٍ يزيدُ عَنِ المتر. ويذكر كتابُ جينيس للأرقام القياسيّة أَنّ الكركند الأكبرَ على الإطلاق الّذي تمّ الإمساكُ به في كندا، كان وزنه 20 كغم. أَضِفْ إلى ذلك، أَنَّ وتيرة شيخوخة الكركند بطيئة قياسًا لمخلوقات أُخرى. لديه تشكيلةٌ مِنَ الآليّات "المضادّة للشَّيخوخة" (Anti-Aging): خَلْعُ الغلاف الخارجيّ، وحماية أَمامَ الرّاديكالات الحُرّة، والتّخلُّص مِنَ الفضلات الّتي في الخلايا، وتجديد أنسجةٍ بواسطة نشاط خلايا جذعيّة تستمرُّ مدى الحياة، وتجديدُ (إنعاش) أعضاء، وغيرها.

مِفتاحُ الحلّ: اِختلافاتٌ في القُدرة على مضاعفة الخلايا
يرتبطُ أَحدُ التّفسيرات السّائدة والشّائقة عَن سببِ النّموّ المتواصل لللكركند، بالآليّة الخلويّة الخاصّة بمضاعفة الـ د.ن.أ، والمطلوبة من أجلِ انقسامٍ خلويّ سليم في النّسيج وازدهاره.

تُوجَدُ في الأطراف البعيدة مِنَ الكروموسومات لدى معظم الأنواع حقيقيّة النّواة (أي الّتي في خلاياها نواة)، تسلسلاتٌ خاصّة مِنَ الـ د.ن.أ والمسمَّاة تيلوميرات. أَثناء مُضاعفات الكروموسومات، يُفقَدُ جُزءٌ مِن تسلسل التّيلوميرات، حتّى يختفيَ التّيلومير كُلُّهُ ويتضرَّرَ الـDNA . يُكوِّن هذا المبدأ ما يشبه السّاعة البيولوجيّة: تأخذُ التّيلوميرات بالقصر مع كلِّ انقسامٍ للخليّة، الأمرُ الّذي يؤدِّي في نهاية الأمر إلى فقدانِ معلوماتٍ وراثيّة ووقف تجدُّدِ الخلايا. يعمَلُ التّيلومير عمليًّا، كمنظِّمٍ يستطيعُ التّنبُّؤ بعددِ الانقسامات الّتي سَتَمُرُّ بها الخليّة.


كروموسومات بشريّة (باللّون الرّماديّ) والتّيلوميرات في أطرافها (باللّون الأَبيض) | أُخِذَتِ الصُّورة من ويكيبيديا.

ومع ذلك، يمكِنُ التَّهرُّبُ من هذا المصير القاسي بواسطة نشاط إنزيمٍ يُسمَّى تيلوميراز: إنزيمٌ باستطاعته إضافة تسلسلات تيلوميرات في أَطرافِ الكروموسومات، وهكذا يمكِنُ إطالة حياةٍ الخليّة، وتمكينُ الأَنسجة مِنَ الاستمرار بالازدهار.

ينعكِسُ أثرُ الإنزيم تيلوميراز لدى بني البشر في الخلايا الجنينيّة فقط، وفي الخلايا الجذعيّة، في بعض خلايا الجهاز المناعيّ، وفي الخلايا السَّرطانيّة (الّتي، وكما هو معروف، تَنقَسِمُ بدون رقابة). في بقيّة خلايا الجسم، الخلايا الجسميّة، لا يوجد انعكاسٌ للإنزيم، ما يربطها بشكلٍ وثيق بالمهامّ الّتي تقوم بها في الجسم. وقد وُجِدَت في الأَبحاث مستوياتٌ مرتفعة بشكلٍ خاصّ للإنزيم تيلوميراز في كلِّ أقسام جسم الكركند، ما قد يفسِّرُ قدرته العجيبة على التَّجدُّد.

ظواهر مشابهةٌ، تمّت مشاهدتها لدى السَّلاحف، الّتي تمتلك متوسّط عمر طويلٍ، وعند النّوءِ الأَطلسيّ أيضًا، أو باسمه العلميّ Oceanodroma Leucorhou ، الّذي يعيش حتّى جيل 30 وأكثر – أكثر بكثير من طيور أخرى في حجمه. وُجد أنَّ لدى النَّوء الأطلسيّ أيضًا، لا تقصُر التّيلوميرات مَعَ الزّمن، بل تَطُولُ.


النّوءُ الأَطلسيّ | أُخِذَتِ الصُّورة من ويكيبيديا، أنتجها Schlawe, C

هل هذا يعني أَنَّ الكركند يعيشُ للأَبد؟
قبل كلّ شيء، صحيح أنّ الكركند مخلوق ممتِعٌ، لكنَّ صفاتِ تجدّده ليست خاصة به وحده فقط. النُّموُّ المتواصل نفسُهُ، والّذي يرافِقُهُ خَلعٌ للغلاف الخارجيّ، مشترَكٌ لمعظم أفراد رتبة عشاريّات الأرجل، مثل الجمبريّ، وهذا يعني أَنَّ الكركند ليس المخلوقَ الوحيد الّذي يمتلك هذه القدرة الباهرة

وليس كما عند البشر، فإنّ باستطاعة الكركند إنتاج أَطراف كاملة من جديد، في عملية تسمَّى تجديدًا، حتّى في سِنٍّ متقدِّمة. هذه الصّفة موجودة أيضًا لدى مخلوقاتٍ إضافيّة في عالم الأحياء، كالعظاءة أَو السّلمندرا.

ثانيًا: تحديدُ سنّ المخلوقات مثل الكركند، والّتي قد تَصِلُ إلى أَحجامٍ ملفتة للنّظر، يُعتَبَرُ أَمرًا صعبًا نسبيًّا. عمليًّا، الحديثُ عن مهمّة غير سهلة لدى كلّ أَفرادٍ تحتَ أُمّة السّرطانيّات: لا تُوجَدُ للسّرطانيات مبانٍ داخليّة أَو خارجيّة صُلبَة، والّتي يمكِنُ أَن تُستعمَلَ عند كائنات حيّة أُخرى مِن أَجلِ تحديد السِّنّ. أَضفْ إلى ذلك، أَنَّ هنالك تفاوُتًا كبير في حجم الجسم عند السّرطانيّات، حتّى في السِّنِّ نفسِها؛ في حين أنّه لدى البشر، فإنّ وزن طفل عُمره سنتانِ، يبقى في مجالٍ ضيّقٍ نسبيًّا، وحجمُ جِسمٍ عند نوعٍ ما مِنَ السَّرطانات، يمكِنُ أن يكونَ في مجالٍ واسع جدًّا. تَعتَمِدُ طريقة أُخرى لتحديد السِّنِّ، على طرائِقِ علم الأنسجة أو طرائِقَ بيوكيميائية، تقيسُ تركيزَ موادَّ مختلِفة في الأَنسجة.

وفي بحث نُشر في سنة 2011، قُدِّرَتِ السِّنُّ المتوسّطة لأَفراد الكركند الأكبر الّتي تمّ الإمساكُ بها في الطّبيعة بـ 54 للإناث و 31 للذُّكور، وأقصى سنٍّ هِيَ 72 و 42 سنةً بالتلاؤم. حقًّا، فالحديثُ يدورُ عن سِنٍّ ذاتِ قيمةٍ، خاصّةً بالنسبة لرفاقٍ آخرين في رتبة عشاريّات الأَرجُل الّتي يتراوح متوسّط أعمارها بين سنة واحدة وعشر سنين، لكنَّ هذا لا يكفي من أَجل الإعلانِ عن حياة أَبديّة. حتّى لو كان الكركند متواجِدًا في ظروفٍ مثاليّة ومُريحة فإنّه سيَهرَمُ، حتّى ولوِ استغرق ذلك وقتًا أكثر، مقارنةً بمخلوقات أُخرى. وبالرّغم من ذلك، فلا يوجد سببٌ لعدم التّمنيّات له بالعيش حتّى 120!

ومع ذلك ، فإنّ الآليّات الوحيدة الموجودة لدى الكركند، ورفاقه يمكِنُ أن تُفيد فعلًا في الأَبحاث، وتؤدِّيَ إلى تجديداتٍ في الطِّبّ.

ومع كل ذلك، فَأينَ يُمكِنُ البحث إذًا، عن حياةٍ أَبديّة؟
عند الإِصرار والعناد، مِنَ الجدير الانتباه إلى قِنديل بحرٍ صغير حَظِيَ بلقب "قنديل بحر اللاّبدي"، والّذي اشتهر بقدرةِ العيش باستمرار مثيرة للاهتمام، وليس بأقلّ من تجديدِ أَعضاء ونموٍّ متواصل. يمكِنُ لقنديل البحر، في ظروفٍ خاصّة، العودة بالسِّنينَ إلى الوراء ليكون كما كان في مرحلةٍ مبكّرة من عمره. خلاياه التي قد تمايزت وتحوّلت إلى جزءٍ مِن هذا العضو أو ذاك، يُمكن أن تتحوَّلَ في عمليّة تّغيير التّمايز (Transdifferentiation)، إلى خلايا قِنديل البحر نفسِهِ، لكن في مرحلة مبكّرة أكثر من حياته. وإذا استمرَّ قنديل البحر أن يكون هَرِمًا أو ناشئًا إلى ما لا نهاية، فلا شكّ بِأنّهُ سيحظى بهديّة، والّتي كما نعلم، أَنّها لا تُعطى إلا للآلهة – الحياة الخالدة!

ردّ – والعودة إليك
أيّة آليّات إضافيّة تستعملها الخلايا السَّرطانيّة، من أجل ضمان ازدهارها، إضافةً إلى التّيلوميراز الّذي يُمكِّنُها مِنَ الانقسام بدون تحديد؟

 

0 تعليقات