الصّيغة الأصليّة للسُّؤال هي: مِنَ المعلومِ أنّ شهرَ آب، هو الشَّهرُ الأكثر حرارةً في السَّنة (في نصف الكرة الشّماليّ)، فلماذا هو كذلك؟ على ما يبدو، فمِنَ المفترض أنّ شهرَ حَزِيران تحديدًا، هو الشّهر الأكثرُ حرارةً، وسببُ ذلك هو أنّ الشّمس في هذا الشّهر تكونُ أكثرَ ارتفاعًا في السّماء، وعليه فإنّ شدّة الإشعاع لكلّ وحدة مساحيّة تكونَ في ذُروتها، بينما تكونُ الأيّام في شهر آب أقصرَ من أيّام شهرِ حَزيران، وتتواجدُ الشّمس على ارتفاعٍ منخفضٍ أكثرَ في السّماء. لكن كما ذُكر، فإنّ شهرَ آب هو الأكثر حرارةً في السنة؛ فما هو تفسير ذلك؟

بادِئَ بَدءٍ، هل شهرُ آب فعلاً، هو الشّهر الأكثر حرارةً في نصف الكرة الشّماليّ؟ يبدو أنّ المتفوِّقَ في هذا المجال هو شهر تمّوز بالذّات. في كلّ العَواصِم الّتي اطلّعتُ عليها في نصف الكرة الشّماليّ تقريبًا، كانَ شهر تمّوز ذا درجاتِ حرارةٍ مُساوية لتلك الّتي في شهر آب، أو أعلى منها؛ ودرجات الحرارة هذه موجودةٌ في كلّ عواصم أوروبّا الغربيّة والشّرقيّة، وفي معظم أنحاء الشّرق الأوسط وشمالِ أفريقيا، والوضع في المدن الكبرى في أمريكا الشّماليّة مماثلٌ. عمليًّا، فإنّ العاصمةَ الوحيدة في المجموعة المذكورة، والّتي كان فيها شهرُ آب حارًّا أكثرَ من شهر تمّوز بشكلٍ واضح ،ٍ هيَ القُدس (لقد أغفلتُ ذِكرَ المدن الآسيويّة عمدًا، وسنعود إليها لاحقًا).

إذا كانَ الأمرُ كذلك، فلماذا يحصل هذا؟ في الحادي والعشرينَ من حَزيران، تستقِرُّ الشَّمسُ بشكلٍ متعامِدٍ مع مدار السَّرطان، وهو خطُّ الطُّول الأبعدُ شَمالاً، والّذي يمكن أن تستقرّ فيه الشّمس بشكلٍ متعامد. في هذا اليوم، يستوعِبُ نصفُ الكرة الشّماليّ معظمَ أشعّة الشّمس، مقارنةً بنصفِ الكرة الجنوبيّ، الّذي يستوعب أشعّةً أقلَّ للسّنةِ نفسِها. نتيجةً لذلك، فإنّ الحادي والعشرين من شهر حَزيران، هو اليوم الأطولُ في نصف الكرة الشّماليّ. ولكن، إذا كان الحادي والعشرونَ من شهرِ حزيران هُوَ اليومُ الأكثر استيعابًا للأشعة، فلماذا لا يكونُ هو اليومَ الأكثرَ حرارةً؟

  لأنّ درجة الحرارة ليومٍ ما، تتحكَّمُ بها عدّة عواملَ، في حينِ أنّ الأشعةَ المباشرةَ مِنَ الشَّمس هي عاملٌ ثانويٌّ في المعادلة فقط. العاملُ الأهمّ هو القُدرة (السَّعَة) الحراريّة للكرة الأرضيّة: تُسخِّن الشَّمسُ الكرةَ الأرضيّة، وبعد ذلك تُطلِقُ الكرة الأرضيّة الحرارةَ على شكلِ أشعَّةٍ ذاتِ موجاتٍ أطولَ من تلك الّتي استوعَبَتها. تستغرق هذه العمليّة بعض الوقت، ويتلخَّصُ الفرق بـ 4 – 6 أسابيعَ على الأغلب.

ليسَت هذه الظّاهرة حِكرًا على فصلِ الصّيف، فاليوم الّذي يحصل فيه نصف الكرة الشَّماليَّ على أقلّ قدرٍ منَ الأشعة هو الثّاني والعشرون من شهرِ كَانُونَ الأَوّل، إذ هو اليومُ الأقصرُ في السَّنَة. وبالرّغم من ذلك، فالشَّهرانِ الأبردانِ في السّنة هُما على الغالبِ كانونُ الثّاني وشُباط وذلك، مرّةً أُخرى، نتيجَةَ الفرق في إشعاع الكرة الأرضيّة.


هذا مخطَّط للكرة الأرضيّة في 21 حزيران؛ أشعّة الشمس متعامِدَةٌ مع مدار السَّرطان، ويحصُلُ نصف الكرة الشَّماليُّ على الجزء الأكبر منها. في 22 كانون الأوّل يكونُ الوضعُ معكوسًا، أي أنّ أشعّة الشّمس متعامدة مع مدار الجَدْيِ، ويحصُلُ نصفُ الكرةِ الجنوبيُّ على الجزء الأكبر من ضوء الشَّمس.

لا ترتبِطُ الظّاهرةُ، عمليًّا وبشكلٍ خاصٍّ، بحجم الأشهر فقط، بل إنّما بحجم السّاعات. كلّ شخصٍ عَمِلَ في الحراسة في السَّاعات المتأخِّرة من اللَّيل، انتظرَ الشُّروقَ أو ذهب للسِّباحة اللّيليّة يعرِفُ أنّ السّاعات الأكثرَ بُرُودَةً هِيَ السَّاعاتُ الّتي يبدأ فيها الضَّوء بالبُزوغ، وليسَ في منتصف اللَّيل. وفي البحر أيضًا، تنخَفِضُ درجاتُ حرارة الماء إلى أدنى مستوى، لحظاتٍ قبل الشُّروق وليسَ في منتصف اللَّيل.

سببٌ آخرُ هو الرّواسب، بما في ذلك المطَرُ بأشكالِهِ كافَّةً، والرّيح الّتي ترافقه تُبرِّد الهواء وتُخفِّض درجات الحرارة. تكونُ الأمطارُ في شهرِ حَزيران أكثرَ، على الأغلب، من شَهرَيْ تمّوزَ وَآب. ونتيجةً لذلك، تكون درجات الحرارة فيه أقلّ. في بعض الدُّوَل الآسيويّة، يُعَدُّ الصَّيفُ الفَصلَ الماطِرَ أو "فصل الأمطار الموسميَّة". في هذه الدُّوَل، يكونُ الشَّهر الأكثر حرارةً هو الشّهر الجافّ الأخير، وغالبًا ما يكون شهرَ نَيسَان أو أيَّار.

0 تعليقات