إعادة التدوير مصطلح عامّ يصف العديد من العمليّات الّتي تتمّ فيها معالجة النفايات وتفكّكها إلى الموادّ الخامّ المختلفة المرَكَّبة منها، بحيث يمكن إعادة استخدام نفس الموادّ الخامّ لإنتاج مُنتَجات جديدة

إعادة التدوير مصطلح عامّ يصف العديد من العمليّات الّتي تتمّ فيها معالجة النفايات وتفكّكها إلى الموادّ الخامّ المختلفة المرَكَّبة منها، بحيث يمكن إعادة استخدام نفس الموادّ الخامّ لإنتاج مُنتَجات جديدة. تنقسم الموادّ القابلة لإعادة التدوير إلى الفئات الرئيسة التالية: مادّة عضويّة، الورق والكرتون، البلاستيك، الزجاج، الأشذاب والمعادن. هناك أيضًا مُنتَجات تنتمي إلى إحدى الفئات، مثل النفايات الإلكترونيّة (المعدن والبلاستيك)، الإطارات (المطّاط)، خراطيش الحبر (البلاستيك) والزّيت، والّتي يتمّ إعادة تدويرها بشكل منفصل بتقنيّات أخرى.

بدأت جهود إعادة التدوير الكبيرة، شأنها كالعديد من العمليّات المُستخدَمة بشكل متكرّر اليوم، في أوقات الحرب لخدمة المجهود الحربيّ. وهناك دلائل مكتوبة تدل على أنّه في العصور القديمة تمّ صهر أسلحة مثل السّيوف البيضاء الدّاكنة والدّروع التّالفة وصُنعت منها أسلحة حرب جديدة. أما في العصر الحديث، فقد كانت عمليّات إعادة التدوير موجودة منذ بداية القرن العشرين، لكنّها اكتسبت زخمًا فقط عند اندلاع الحرب العالميّة الثانية. نتيجة لوقف الواردات في الحرب العالميّة الأولى؛ ارتفعت أسعار الموادّ الخام في بريطانيا بشكلٍ كبير؛ ما أدّى بدوره إلى ارتفاع أسعار المنتَجات وإلحاق الضّرر بقدرة الناس على الصمود. قرّرت الحكومة البريطانيّة فرض قيود على جمع وإعادة استخدام المنتَجات، خاصّةً الورق والمعادن الّتي كان من السهل نسبيًّا إعادة تدويرها؛ من أجل منع حدوث شيءٍ مشابه خلال الحرب العالميّة الثانية. بدأت الحكومة البريطانيّة في حملات الجمع وإعادة التدوير في سنة 1939م، وبعد ثلاث سنوات فُرِضَت تعليمات مماثلة في الولايات المتّحدة، عندما انضمّت إلى الحرب.

 

إعادة تدوير الورق

تبدأ إعادة تدوير الورق بتقطيعه إلى قطعٍ صغيرة ونقلها إلى حاويات تحوي الماء والموادّ الكيميائيّة. يُسخَّن الخليط، وتساعد الموادّ الكيميائيّة المختلفة في تفتيت الورق إلى ألياف سليلوز دقيقة تُنتِج لبًّا ورقيًّا يتكوّن 98٪ منه من الماء و 2٪ من الألياف. يتدفّق اللبّ عبر عددٍ من الشبكات الّتي ترشّح (تقوم بتصفية) الموادّ المحدّدة مثل قطع البلاستيك، والصمغ أو المشابك المعدنيّة. ثم تُستخدَم الموادّ الكيميائيّة المنشّطة للسطح (surfactants) وضغط الهواء، فيطفو الحبر والموادّ اللاصقة في فقّاعات أعلى الحاوية، ويتمّ فصلها عن باقي الخليط. في بعض الحالات، يخضع اللبّ لعمليّات تبييض وتلطيف باستخدام مجموعة إضافيّة من الموادّ الكيميائيّة، لكنّ هذه المرحلة متعلّقة بالغرض من الورق المُعاد تدويره. يتمّ رشّ اللبّ على صفائح شبكيّة كبيرة تُمرَّر من خلال مكابس تتمثّل وظيفتها في تشغيل الضغط الّذي يتسبّب في خروج الماء وتبلوُر الألياف معًا في ورقة. وأخيرًا، تُسخَّن الصفائح وتُجفَّف بصورة نهائيّة.

بشكل عامّ، يمكن إعادة تدوير الورق نحو خمس مرّات قبل أن تصبح ألياف السليلوز قصيرة جدًا وهشّة بحيث لا يمكن إعادة تدويرها. غالبًا ما يكون انخفاضٌ في جودة الورق بعد عمليّة إعادة التدوير، وبالتّالي فهو مخصَّص للمنتَجات الّتي تتطلّب ورقًا ذي جودة أقلّ. على سبيل المثال، يتمّ إعادة تدوير الورق عالي الجودة مثل الورق المُستخدَم لطباعة المجلّات إلى ورق مخصَّص للطابعة المنزليّة، والّذي يتمّ إعادة تدويره إلى مناشف ورقيّة أو ورق تواليت.


أكوام من الورق قبل إعادة التدوير. (مصدر الصورة: ويكيبيديا)
 

إعادة تدوير البلاستيك

يتمّ ختم رمز إعادة التدوير (مثلّث مركَّب من ثلاثة أسهم) على الحاويات والمُنتَجات البلاستيكيّة، وفي وسطه رقم يتراوح بين 1 حتّى 7، يمثّل نوع البلاستيك الّذي صُنع منه نفس المُنتَج. في عمليّات إعادة التدوير، هناك أهميّة لفصل البلاستيك إلى أنواعه المختلفة؛ نظرًا لأنّ لكلّ منها تركيبة كيميائيّة مختلفة، كما أنّ مزجها مع بعضها البعض يؤدّي إلى انخفاض جودة البلاستيك؛ لأنّها تشكّل طبقات منفصلة لا تمتزج سويًّا. أحد التحديّات النابعة من هذا الأمر هو المُنتَجات المختلطة. على سبيل المثال، قناني المشروبات الّتي تُصنَع فيها القنينة نفسها من P.E.T. (بولي إيثيلين تيريفثاليت)، والغطاء من H.D.E.P (بولي إيثيلين عالي الكثافة)، والمُلصَق من P.V.C (البولي فينيل). تركّز معظم عمليّات إعادة تدوير البلاستيك في البلاد وحول العالم على منتجات P.E.T. وخاصّة قناني المشروبات، لكن هناك أيضًا إعادة تدوير للأكياس البلاستيكيّة (المصنوعة من HDEP أو L.D.E.P.-بولي إيثيلين بكثافة منخفضة-) وأنواع أخرى من البلاستيك بكميّات محدودة نسبيًّا.

تصل القناني والعبوات الّتي يتمّ تجميعها لإعادة التدوير إلى المراكز، حيث يتمّ فرزها حسب نوع البلاستيك ولونه. تمرّ القناني والعبوات بغسيل تلقائيّ بالصابون والبخار، ويتمّ أثناء ذلك إزالة المُلصَقات والموادّ اللاصقة. يتمّ تقطيع العبوات النظيفة إلى قطع صغيرة من البلاستيك، وتتمّ إذابتها وتشكيلها في رقائق بلاستيكيّة مستديرة. تُباع الرقائق لمصانع البلاستيك الّتي تُنتِج مجموعة متنوّعة من المُنتَجات، مثل العبوات البلاستيكيّة وكذلك الألياف البلاستيكيّة المُستخدَمة في صناعة النسيج. تتمّ معالجة معظم الموادّ البلاستيكيّة الأخرى والّتي ليست من الـ  P.E.T.، وخاصّة HDPE، معًا لتشكيل الألواح البلاستيكيّة المُستخدَمة في صناعة أثاث الحدائق، والأسوار والكسوة.

هناك عمليّات تتيح فصل موادّ الدهان عن البلاستيك، لكنّ جودة البلاستيك الناتج رديئة نسبيًّا. لذلك، يُفضّل أوّلاً فصل البلاستيك إلى ألوان مختلفة، بحيث يتمّ دائمًا إعادة تدوير البلاستيك ذي اللون المحدّد إلى بلاستيك من نفس اللون. ويُشار هنا أنه يمكن فقط إضافة صبغة اللون إلى البلاستيك الشفّاف.


آلة إعادة تدوير البلاستيك. (مصدر الصورة: ويكيبيديا)
 

إعادة تدوير الزجاج

يعتبر الزجاج أحد الموادّ القليلة الّتي يمكن إعادة تدويرها مرارًا وتكرارًا. ميزة أخرى لإعادة تدوير الزجاج هي كون هذه العمليّة غالبًا أرخص من إنتاج الزجاج، وذلك نظرًا لأنّ درجة حرارة انصهار الزجاج أقلّ بكثير من درجة حرارة الرمل الخامّ الّذي يُصنع منه الزجاج. في كثير من الحالات، لا تصل العبوات الزجاجيّة لإعادة التدوير على الإطلاق، ولكن يتمّ غسلها، وتعقيمها ونقلها مباشرة لإعادة استخدامها.

يتمّ نقل القناني، والزجاجات والمُنتَجات الزجاجيّة الأخرى إلى مركز فرز، حيث يتمّ فرزها  حسب لونها، وفصلها عن الزجاج المقاوم للحرارة (بايركس) الّذي يجب إعادة تدويره بشكل منفصل. يتمّ تقطيع الزجاج إلى قطع خشنة، ويتمّ فصل المُلصَقات وقطع الورق بواسطة مضخّة بضغط عالٍ، وتُفصَل القطع المعدنيّة باستخدام المغناطيس، بينما تُفصَل الأحجار باستخدام الليزر. يتمّ صهر شظايا الزجاج بدرجة حرارة تصل إلى نحو 1500 درجة مئويّة، وفي الحالة السائلة يُضاف زجاج جديد لم  تتمّ إعادة تدويره إلى الزجاج المُعاد تدويره، بحيث يحوي المُنتَج النهائيّ على 50٪ -80٪ من ال​​زجاج المُعاد تدويره. بعد عمليّة الصهر مباشرةً يُنقَل الزجاج السائل إلى قوالب، ومن ثمّ تُنقَل القوالب إلى فرن حيث تحدث فيه عمليّة تبريد تدريجيّة وبطيئة، ما يُسهم في زيادة قوّة الزجاج.


مركز إعادة تدوير الزجاج. (مصدر الصورة: ويكيبيديا)
 
إعادة تدوير النفايات العضويّة

إعادة تدوير النفايات العضويّة، في واقع الأمر، أقدم عمليّات إعادة التدوير وأكثرها طبيعيّة. والنفايات العضويّة هي المكوّن الرئيس لجميع النفايات المنزليّة. عند وصول النفايات المختلطة إلى مصانع إعادة التدوير، يتمّ فصل الموادّ العضويّة عن بقيّة النفايات داخل أسطوانات معدنيّة كبيرة تحوي سكاكين حادّة تقوم بسحق النفايات الليّنة، والّتي تسقط بدورها من خلال الفوّهات الموجودة في الأسطوانة إلى حاويات التجميع. يتمّ نقل النفايات العضويّة إلى أحد مواقع التسميد، إلى جانب الأشذاب الّتي تمّ تجميعها من قِبل السلطات المحليّة، والنفايات الحيوانيّة من المزارع، والحمأة الآتية من محطّات معالجة مياه الصرف الصحيّ. تُخلَط هذه الموادّ بنسب ثابتة محسوبة، وتخضع لعمليّة مراقبة بدرجات حرارة ومستويات رطوبة ثابتة، حيث تتحلّل الموادّ العضويّة وتثبت، وبهذا نحصل على السماد الّذي يُستخدَم للأغراض الزراعيّة.


سماد عضويّ. (مصدر الصورة: ويكيبيديا)
 
إعادة تدوير المعادن

في كثيرٍ من الحالات، تكون إعادة تدوير المعادن أرخص من إنتاجها من المواد الخامّ؛ لكن بسبب وزنها العالي، هناك نفقات غير مباشرة تجعل عمليّة إعادة التدوير أكثر كُلفة. تُجمَع معظم المعادن الّتي يتمّ تخصيصها لإعادة التدوير بواسطة مقاولين خصوصيّين، ومصدرها بشكلٍ رئيس من السيّارات، والخردة، والأجهزة الكهربائيّة البيضاء (الثلّاجات، الغسّالات)، وعلب المشروبات والمعلّبات، والمخلّفات المعدنيّة الآتية من فرع البناء.

في مراكز إعادة التدوير، يتمّ فصل المعادن عن الأجزاء البلاستيكيّة، وعن الزجاج والمنسوجات، وفي النهاية يتم الفصل بين المعادن الحديديّة وغير الحديديّة. يتمّ ضغط المعادن الحديديّة وصهرها في درجة حرارة عالية، ثمّ صبّها في قوالب تشكّل سبائك فولاذيّة تُستخدَم كموادّ خامّ في المصانع. تُنقل المعادن غير الحديديّة في كثير من الحالات كما هي إلى المصانع الّتي تستخدمها كموادّ خامّ.

 

علب الألمنيوم المقطَّعة والجاهزة لإعادة التدوير. (مصدر الصورة: ويكيبيديا)

موادّ إضافيّة

هناك فئات أخرى من الموادّ الّتي تخضع لعمليّات إعادة التدوير المختلفة. تحوي النفايات الإلكترونيّة معادن ثمينة مثل النحاس، والذهب، والفضّة، والبلاتين والرّصاص، الّتي يمكن استخلاصها من الأجهزة، وصهرها وإعادة استخدامها مُجدّدًا. مع ذلك، فإنّ هذه الموادّ موجودة في الغالب في الدوائر المطبوعة، وبالتالي فإنّ عمليّات فصلها معقّدة ومُكلِفة.

تتمّ أيضًا إعادة تدوير الإطارات المطّاطيّة، بحيث يتمّ تخصيص بعضها لعملية تفكيك ومعالجة من أجل تحويله إلى مُنتَجات أخرى يتمّ فيها استخدام المطّاط، أو أنها تُنقَل بالكامل لاستخدامها في المشاريع الهندسيّة مثل ممتصّات الضوضاء وحشو التربة، كما يتمّ نقل بعضها إلى المصانع حيث تُستَخدَم كوقود بديل.

يُجمَع الزيت المُستعمَل في العديد من المطاعم ويُستخدَم في صناعة وقود الديزل الحيويّ، وهو وقود بديل يمكن استخدامه تقريبًا في أيّة مركبة مزوَّدة بمحرّك ديزل.


إطارات مقطَّعة وجاهزة لإعادة التدوير. (مصدر الصورة: ويكيبيديا)

 

إيجابيّات وسلبيّات

من أبرز سلبيّات إعادة التدوير الحاجة إلى التكاليف الثانويّة الّتي تنتج عن العمليّة، مثل الحاجة إلى نقل المُنتَجات إلى مراكز إعادة التدوير، وفي كثيرٍ من الحالات فرزها يدويًّا. هناك صعوبة في موازنة التكلفة الإجماليّة لعمليّات إعادة التدوير، على المستوى الاقتصاديّ وعلى مستوى الطاقة. رغم ذلك، فقد توصّلت بعض المحاولات لتحديد تكلفة العمليّات، إلى أنّه في بعض الحالات تكون إعادة تدوير الموادّ أغلى من مزيج دفن النفايات (الطريقة الشائعة للتخلّص من النفايات غير القابلة لإعادة التدوير) وإنتاج الموادّ من الموادّ الخامّ. أما من الناحية البيئيّة، فهناك ادّعاءات مفادها أنّ استهلاك الوقود، والكهرباء، والمياه وانبعاث الملوّثات في الجوّ، الّتي تدخل في عمليّات إعادة التدوير المختلفة، تتسبّب في بعض الأحيان بأضرار أكثر من إنتاج الموادّ اللازمة.

الإيجابيّات الرئيسة لصناعة إعادة التدوير هي التوفير في الموارد والمال. فكمية الموارد المُتاحة للبشر على الأرض محدودة، ومعدّل استخدام هذه الموارد آخذ في الازدياد على مرّ السنين. وفقًا لتقديرات مختلفة، فإنّ مخازن النفط المُستخدَمة لإنتاج الوقود والمُنتَجات البلاستيكيّة قد تنفد خلال خمسين إلى مئة سنة القادمة. مع ذلك، فإنّ عمليّة إعادة التدوير مُعدَّة للتغلّب على المشكلة الناتجة عن الاستخدام المكثَّف للموارد، بواسطة إعادة استخدام نفس الموادّ الخامّ مرارًا وتكرارًا. كما أنّه توجد موادّ، خاصّة المعادن والزجاج، تتطلّب إعادة تدويرها طاقةً أقلّ من إنتاجها من الموادّ الخامّ، وبالتّالي فإنها تُعتبَر أرخص.

في كثير من الحالات، يختار الناس رؤية الميزة الحقيقيّة لعمليّة إعادة التدوير بأنّها إعادة استخدام الموادّ من جديد بدلاً من التنقيب المستمرّ عن الموارد، حتّى لو لم تكن هذه العمليّة أرخص من الناحية الاقتصاديّة. في هذه الحالة، لا تُقاس قيمة عمليّة إعادة التدوير بالفائدة الماليّة الّتي تنتجها، بل في إسهامها في جودة حياة الأجيال القادمة.

 

استجابة واحدة

  • 🦂

    معلومات قيمه حفظكم الله 😇