يتسبّب عرض الكرة الأرضيّة على خريطة ثنائيّة الأبعاد، في حدوث تشوّهات في الأشكال، والمسافات والاتّجاهات. كيف يؤثّر هذا في تصوّرنا للواقع؟ وكيف تمّ التعامل معها في الماضي؟ ماذا نفعل اليوم؟ وكيف تدخل الاعتبارات السياسيّة في الصّورة؟

نفتتح بِـ... اختبار مفاجئ! لكن لا داعي للقلق، بمساعدة خريطة العالم المعروفة في الشّكل أدناه، وهي نفس الخريطة التي تظهر أيضًا على بوابة وزارة التّربية والتّعليم - خدمات للمعلّمين، لن تجدوا صعوبة في الإجابة بسرعة على خمسة أسئلة قصيرة:


الرّسم التّوضيحيّ 1: خريطة الأرض كما نعرفها من مئات الخرائط الّتي رأيناها في نظام التّعليم وخارجه | ويكيبيديا، Strebe

 

1) هل يُمكن الإبحار في خطّ مستقيم من أقصى نقطة شرقيّة في نيويورك، طرف لونغ آيلاند البارز نحو المحيط الأطلسيّ، في خطّ مستقيم إلى البرتغال؟ إلى فرنسا؟ إلى انجلترا؟

2) هل يُمكن الإبحار في خطّ مستقيم من نفس النّقطة في نيويورك، كلّ الطريق دون قلب دفّة السّفينة، إلى أستراليا دون مصادفة أيّ يابسة في الطريق؟

3) بكم مرّة تكبرُ قارّةُ إفريقية جزيرةَ جرينلاند؟

4) ما هي النقطة الموجودة في أمريكا التي سنصل إليها إذا سافرنا في خطّ مستقيم من تل أبيب إلى جبل طارق، واستمرّيْنا في نفس الاتّجاه دون انحراف؟

5) ما هي الدول التي ستمرّ عبرها خلال رحلة مباشرة، بأقصر طريق، من تل أبيب إلى سان فرانسيسكو؟

ضعوا الأقلام جانبًا! دعونا ننتقل إلى الإجابات.
 

1. ما وراء البحار

توضِّح الخريطة "2" البلدان التي سنصل إليها إذا أبحرنا من مدينة مونتوك على طرف لونغ آيلاند، أقصى نقطة في الشّرق من نيويورك. من المثير للدّهشة، أنّه على الرّغم من ظهور نيويورك على الخريطة "1" مباشرة عبر المحيط الأطلسي من أوروبا، فإنّه لا يوجد خطّ إبحار مستقيم واحد يربط نيويورك بأيّ دولة أوروبيّة. أقصى دولة في الشّمال يمكنك الوصول إليها في خطّ مستقيم من نيويورك هي المغرب. إذا ذهبنا في اتّجاه أكثر شمالًا - سنصل إلى الشّواطئ الشّرقيّة لأمريكا الشّمالية. تضلّلنا الخريطة بسبب التّشويه النّاتج عن رسم خرائط، أو "إسقاط"، الأرض ثلاثيّة الأبعاد على صفحة مسطّحة.


الرّسم التوضيحيّ 2: أين ستصل سفينة تبحر في خطّ مستقيم من أقصى نقطة في الشّرق في نيويورك؟ دعونا نفحص وفق الخريطة | رسم توضيحي: Kolo Or

 

2. من نيويورك إلى أستراليا 

من غير الممكن الإبحار من نيويورك في خطّ مستقيم إلى أوروبّا، ولكن من الممكن أيضًا أن نسير في خطّ مستقيم على طول الطّريق إلى أستراليا، إلى بيرث (Perth) في غرب القارّة وإلى إسبيرانزا في الجنوب. للوصول إلى بيرث، المدينة الأكثر شماليّة من بين المدينتين، عليك بشكل مفاجئ أن تبحر من نيويورك في اتّجاه أكثر جنوبيًّا، بينما للوصول إلى إسبرانزا، الأكثر جنوبًا، بخطّ مستقيم، عليك مغادرة نيويورك بزاوية إبحار أكثر شماليًّا.

توضّح الخريطة أدناه مسارات الإبحار من نيويورك إلى أستراليا. الخطوط الموجودة على الخريطة ليست مستقيمة، ولكن من الناحية العمليّة، فإنَّ الخطوط على الأرض ليست مستقيمة فحسب، ولكنّها تمثّل أقصر طريق بين النقطتيْن. يمكن رؤية هذا بشكل جيد في كرة أرضيّة تفاعليّة مقدّمة من Max Galka of Metrocosm، تُظهر بتقنيّة ثلاثيّة الأبعاد الخطوط المستقيمة للإبحار من نيويورك إلى بقية العالم (السّحب بالفأرة يدوِّر الكرة الأرضيّة).


الرّسم التّوضيحيّ 3: خطوط الإبحار المباشرة والأقصر، من نيويورك إلى أستراليا تبدو ملتوية وطويلة | رسم توضيحيّ: Kolo Or

 

3. هل فعلًا إفريقية كبيرة؟

تبدو إفريقية على الخريطة في الرّسم التّوضيحيّ "1"، متساوية في الحجم إلى حدّ ما مع جرينلاند. لكن هذا يرجع إلى التّشويه الذي تنطوي عليه الطّريقة التي نفَّذوا بها رسم الخرائط، الإسقاط، من كرة ثلاثيّة الأبعاد إلى خريطة ثنائيّة الأبعاد. هذه الطريقة التي تعرف بإسقاط مركاتور تحافظ على شكل الدول، ولكن على حساب تشويه مساحتها التي تكبر بشكل مصطنع، كلما ابتعدنا عن خطّ الاستواء. لهذا السّبب، تظهر جرينلاند، الواقعة في الشّمال، على الخريطة بنفس حجم إفريقية، القريبة من خطّ الاستواء. من النّاحية العمليّة، فإنَّ إفريقية، التي تبلغ مساحتها أكثر من 30 مليون كيلومتر مربّع، أكبر 14 مرة من مساحة جرينلاند البالغة 2.2 مليون كيلومتر مربّع.

تُظهر الرّسوم المتحرّكة أدناه أحجام البلدان، حيث تمّ رسمها بواسطة إسقاط مركاتور المعروف، مقارنةً بالمساحة الفعليّة. توضّح الرّسوم المتحرِّكة كيف تزداد المشكلة سوءًا عندما نبتعد عن خط الاستواء. على سبيل المثال، تظهر منطقة جزيرة إليسمير الكنديّة (على يسار جرينلاند على الخريطة)، بواسطة إسقاط مركاتور بأنّها مساوية لمساحة أستراليا، بينما في الواقع هي أصغر بنحو 40 مرّة تقريبًا.


الرّسم التّوضيحيّ 4: مساحة البلدان وفق إسقاط مركاتور، مقارنة بمساحتها الحقيقيّّة | بإذن من Engaging Data - يمكنك العثور على نسخة تفاعليّة من هذه الخريطة على موقع الويب، مع معلومات أكثر تفصيلًا عن كلّ دولة

 

تمكّن خريطة تفاعليّة أخرى بسحب البلدان إلى أماكن مختلفة على الكرة الأرضيّة، ومن رؤية تغيّر حجمها وفقًا لخطّ العرض. يوضِّح الشّكل أدناه كيف سيتمّ رسم جرينلاند وأنتاركتيكا، إذا وضعناهما على خطّ عرض استوائيّ. يبدو أنَّ مساحة القارّة القطبيّة الجنوبيّة على خريطة مركاتور المعروفة أكبر من المساحة الإجماليّة لجميع القارّات الأخرى مجتمعة (في الصّورة أدناه، على اليمين).

من النّاحية العمليّة، تمتلك إفريقية مساحة كافية لاثنين من أنتاركتيكا، وفائض مساحة من ملايين الكيلومترات المربّعة (في الصّورة الوسطى). حاول سحب البلدان الشماليّة، مثل روسيا أو كندا أو الدول الاسكندنافيّة إلى الجنوب، لفهم مقدار تشكّل الوعي من خلال الخرائط التي شُوِّهَت من خلال الإسقاطات. مساحة تركيا، على سبيل المثال، أكثر من ضعف مساحة فنلندا، على الرّغم من أنّها تبدو أكبر بكثير ممّا كانت عليه على خريطة العالم أعلاه. كما أنَّ مساحة السويد "الضّخمة"، هي في الواقع أصغر من فرنسا.


الرّسم التّوضيحيّ 5: المنطقة المخطّطة لأنتاركتيكا وجرينلاند في موقعهما الأصليّ، مقارنةً بمساحتهم المخطّطة في حال كانتا استوائيّة | الرّسم التّوضيحيّ: Kolo Or ، بإذن من TheTrueSize.com 

 

4. من تل أبيب إلى جبل طارق وما وراءها

يبدو من الخريطة في الرّسم التّوضيحيّ 1 في بداية المقال، أنَّ خطًا مستقيمًا من تل أبيب يمرّ عبر مضيق جبل طارق، يستمرّ ويصل إلى منطقة نيويورك. لكن مرّة أخرى، تخدعنا التشوّهات التي ينطوي عليها تسطيح الواقع ثلاثيّ الأبعاد. في الواقع، يصل الخطّ إلى الحدود بين فنزويلا وكولومبيا في أمريكا الجنوبيّة. تمّ تحديد النّقطة على الخريطة الأولى بعلامة X باللّون الأحمر.

تسقط الخريطة أدناه الكرة باتّجاه الصّفحة بطريقة مختلفة، تُعرف باسم "السمت". يتخلى الإسقاط السمتيّ، على عكس إسقاط مركاتور، عن الأشكال الصّحيحة للدّول، وبدلًا من ذلك يحافظ على صحّة الاتّجاهات والمسافات بالنّسبة للنّقطة الوسطى. بهذه الطريقة يمكن فحص أين يصل خطّ مستقيم من تل أبيب إلى أيّ مكان، على سبيل المثال، خطّ يمرّ عبر جبل طارق (الخطّ الأحمر). يسمّى هذا المسار بالخط الجيوديسيّ (Geodesic)، ويمثّل أقصر خطّ مستقيم بين نقطتين على الكرة.

היטל אזימוטלי, עם ישראל במרכז, המשמר כיווני ומרחקי אמת ביחס לנקודת האמצע | איור: קולו אור, שורטט באמצעות NS6T
الرّسم التّوضيحيّ 6: الإسقاط السّمتيّ، مع بلادنا في الوسط، الذي يحافظ على الاتّجاهات والمسافات الحقيقيّة بالنّسبة إلى نقطة المنتصف | الرّسم التّوضيحيّ: Kolo Or، رُسِمَ باستخدام NS6T

 

5. من مطار بن غوريون إلى سان فرانسيسكو 

يظهر على الخريطة أعلاه خطّ آخر باللّون الأخضر، يرسم أقصر خطّ بين تل أبيب وسان فرانسيسكو. يمرّ خطّ مستقيم بين هاتيْن النّقطتيْن على الخريطة الأولى، مع إسقاط مركاتور، جنوبًا إلى إسبانيا، ولكن في الواقع، تمرّ أقصر رحلة مباشرة من مطار بن غوريون إلى كاليفورنيا فوق النّرويج وجرينلاند.

غالبًا ما تبدو مسارات الرّحلات على الخرائط في دعايات شركات الطيران ملتوية وطويلة بلا داعٍ. هل السّبب يعود إلى أنظمة الرّياح التي تحوّل المسارات الالتفافيّة إلى مربحة؟ حسنًا، صحيح أنَّ التّيارات النّفاثة تؤخذ بالحسبان في تحديد مسار الرّحلة بالضّبط، وهناك أيضًا اعتبارات جيوسياسيّة في بعض الأحيان تؤدّي إلى تحديد المسارات بشكل غير مثاليّ - على سبيل المثال، يتمّ منع الرّحلات الجوّيّة من بلادنا إلى الشّرق الأقصى من المرور من خلال المجال الجوّيّ للدّول المعادية، بالتّالي من المتوقّع أيضًا أن يتمّ تقصيرها بشكل كبير مع توقيع الاتّفاقية مع المملكة العربيّة السّعوديّة.

لكن دائمًا ما تكون مسارات الخطوط الجوّيّة غير ملتوية على الإطلاق. تبدو هكذا فقط عندما يتمّ رسمها على خرائط مع إسقاطات مثل إسقاط مركاتور. نفس الخط المستقيم بين بلادنا وسان فرانسيسكو، على سبيل المثال، التي تظهره خريطة الإسقاط السّمتيّ في الشكل أعلاه، بوضوح سبب مرورها فوق جرينلاند، وتبدو ملتوية وطويلة بشكل غير ضروريّ على إسقاط مركاتور في الخريطة أدناه، على الرّغم من أنّهم نفس المسار.

يُمكن تطبيق صغير يعود لقاعدة بيانات الأدوات التعليمية Academo، من تحديد نقطتين على الخريطة باستخدام إسقاط مركاتور، ولا يرى فقط الخط المستقيم على الخريطة ولكن أيضًا الخطّ الجيوديسيّ، أيّ أقصر طريق يربط بينهما بالفعل.

رأينا، على سبيل المثال، أنّه من الممكن الإبحار من نيويورك إلى بيرث في أستراليا في خطّ مستقيم، والإبحار في الاتّجاه الجنوبيّ الشّرقيّ. يُظهِر تطبيق Academo، على الخريطة أدناه، أنّه إذا لم نكن بحاجة إلى رحلة بحريّة، فإنَّ أقصر خطّ من نيويورك إلى بيرث يمرّ عبر ألاسكا، وبالقرب من اليابان. بالنسبة لمعظم الناس، قد يبدو مثل هذا الخطّ غير منطقيّ. بعد عقود من الإلمام بالخرائط المشوّهة، فإنَّ الحدس الذي يطوّره الشّخص العاديّ في كثير من الحالات خاطئ للغاية.


الرّسم التّوضيحيّ 7: أقصر خطّ جوّيّ (خط جيوديسيّ) بين نيويورك وبيرث في أستراليا يمرّ فوق ألاسكا وبالقرب من اليابان | الرّسم التّوضيحيّ: كولو-أور باستخدام Academo

 

إذا كان إسقاط مركاتور مضلِّلًا للغاية، فلماذا أصبح عالميًّا إلى هذا الحدّ؟ ما السّبب أنّه منذ تطويره في منتصف القرن السادس عشر، أصبحت الخرائط المبنيّة عليه عنصرًا ضروريًّا لكلّ بحّار ومستكشف، ولماذا تشيعُ جدًا في الصّفوف الدّراسيّة والكتب والأطالس؟ لفهم مزايا إسقاط مركاتور، سرّ شعبيّته والثّورة الهائلة التي أحدثه، يجب أوّلًا الفهم بشكل أفضل ما هي الاسقاطات، وكيف ترافق تطوّرها انتشار الحضارة الإنسانيّة؟

العالم مسطَّح، تقريبًا! 

تعدُّ الحاجة إلى تنفيذ إسقاط لكرة كبيرة على خريطة مسطحة مهمّة هندسيّة، كافحت البشرية من أجلها آلاف السنين. لدينا إسقاطات متنوّعة كانت تستخدم قبل الميلاد في اليونان والصّين. لكن كلّ هذه الإسقاطات لم تكن للأرض، بل تعود لقبّة السّماء والنّجوم فيها. 

على مدار معظم التاريخ، تمّ اعتبار الأرض عمليًا مسطّحة، لأنَّ هذا تقدير تقريبيّ معقول على النّطاق البشريّ. الكرة التي نعيش عليها كبيرة جدًّا لدرجة أنَّ انحناءَها لا يتجاوز 8 سنتيمترات لكلّ كيلومتر. في الحياة اليوميّة، تكون هذه الكرويّة هامشيّة مقارنةً بالسّطح المتجعّد نوعًا ما، وبالتّأكيد على مسافات كانت ذات معنى بالمفهوم الإنسانيّ على مدار التاريخ.

مع ذلك، حتّى لو كان افتراض العمل في الحياة اليوميّة هو أنّه من الممكن التّعامل مع العالم على أنّه مسطّح، فقد توصّلت الثقافات المختلفة منذ آلاف السنين، بشكل مستقلّ، إلى استنتاج مفاده أنَّ الأرض التي نعيش عليها هي كرة ضخمة الحجم. في الغرب، كان الفيلسوف اليونانيّ أفلاطون من أوائل الذين اقترحوا هذا، في القرن الخامس قبل الميلاد (Phaeido، الصفحة 65). حاول تلميذه أرسطو حساب محيط الكرة بالوسائل الخام التي كان يمتلكها في القرن الرّابع قبل الميلاد، ووصل إلى حوالي 70 ألف كيلومتر - تقريبًا ضعف المحيط الفعليّ البالغ حوالي 40 ألف كيلومتر. تمكن إراتوستينس الذي تبعه من تحسين الحساب، ووصل إلى دقّة مذهلة بالفعل منذ 2250 عامًا.

ريقة تسمح لهم بتسطيحها إلى شكل ثنائي الأبعاد. من الممكن دون أيّ مشكلة قطع الأشكال مثل الصندوق أو الأسطوانة أو المخروط، ثمّ مدّها على السطح، كما هو موضّح في الشّكل أدناه. لذلك فهذه أشكال "قابلة للاستواء" - مصطلح رياضيّ لجسم يمكن تسطيحه دون تشويه. في المقابل، الكرة غير قابلة للتّسطيح. لذلك، إذا أردنا صنع خريطة مسطّحة من كرة، علينا أوّلًا إسقاط وجهها لأسطوانة أو مخروط، أو أيّ شكل قابل للتّسطيح.

משמאל – קוביה, מימין למעלה – גליל, מימין למטה - חרוט | איורים: Rectas , Wikipedia
الرّسم التّوضيحيّ 8: هناك أجسام يمكن تسطيحها. على اليسار - مكعّب، أعلى اليمين - اسطوانة، أسفل اليمين - مخروط | الرّسوم التّوضيحيّة: ريكتاس، ويكيبيديا
 

كيف نُسوِّي الكرة

أوّل تجربة مسجّلة للقيام بإسقاط على الأرض، وتحويله لجسم مسطّح قام بها مارينوس من مدينة صُوْر (Tyre)، وهو فيلسوف وعالم يونانيّ من القرن الأوّل الميلاديّ، ومؤسّس العلم الذي أسماه "الجغرافيا الرياضيّة". ربّما كان مارينوس هو من اخترع طريقة خطوط الطّول والعرض، وكان أيضًا أوّل من أظهر الطريقة الرياضيّة، لإسقاط كرة على أسطوانة هي مماس لها. وفق الطّريقة الّتي طوّرها، تكون المستطيلات المتكوّنة من تقاطع خطوط الطّول وخطوط العرض على الأسطوانة متطابقة مع بعضها البعض، وبالتّالي يُطلق على هذا الإسقاط "متساوي المستطيلات". لا يزال الإسقاط قيد الاستخدام حتّى اليوم، ويوضّح الرّسم التّوضيحيّ أدناه المنطق الكامن وراء إعداده.


الرسم التوضيحي 9: الطريقة الأولى لإسقاط الكرة. تحضير ارتفاع أسطواني من نوع "إسقاط متساوي المستطيلات" | رسم توضيحي: Kolo Or

 

تكمن المشكلة الرئيسة في هذا الإسقاط، أنّك عندما تبتعد عن خطّ الاستواء وتتحرّك شمالًا، فإنَّ محيط الدّائرة من الكرة التي نلقيها في الأسطوانة يصغر أكثر فأكثر، حتّى نصل للقطب فقط ونلقي نقطة من الكرة. مع ذلك، يظلّ محيط الأسطوانة كما هو بالنّسبة لارتفاعها بالكامل. بكلماتٍ أخرى، كلّما اتّجهنا نحو الشمال، سيعمل الإسقاط على تمديد الدائرة التي تقصر باستمرار على الكرة، بحيث تملأ محيط الأسطوانة بالكامل، حتّى النّهاية تمتدّ النّقطة الفرديّة من العمود على خطّ الإسقاط العلويّ بأكمله. يوضّح الشكل أدناه، على سبيل المثال، كيف يمدّ الإسقاط الأسطوانيّ متساوي المستطيلات تدريجيًّا آيسلندا وجرينلاند للعرض، كلّما تحركنا شمالًا.

מימין - גרינלנד כפי שהיא נראית בצילום מלמעלה, משמאל - גרינלנד בהיטל שווה מלבנים | NASA
الرّسم التّوضيحيّ 10: ما هو شكل جرينلاند؟ على اليمين - جرينلاند كما تظهر في الصّورة من أعلى، على اليسار - جرينلاند بواسطة إسقاط متساوي المستطيلات | NASA
 

دفع هذا التّشويه العالم الشهير بطليموس (كلوديوس بطليموسClaudius Ptolemy)، خليفة مارينوس، إلى الادّعاء في كتابه الضخم "الجغرافيا"، أنَّ الإسقاط متساوي المستطيلات لا يصلح لرسم العالم. وفق طريقة مارينوس، تعاني المنطقة الاستوائيّة أقلّ تشوّهًا، وعندما تتحرّك شمالًا، تبدأ التشوهات. كان العالم المعروف آنذاك للغرب من بطليموس ومعاصريه أنّه ضيق جدًّا، ولم يتمحور حول خط الاستواء ولكن حول خط العرض 36°. لذلك، بدلًا من المماس الأسطوانيّ لخطّ الاستواء، اقترح بطليموس استخدام مخروط، مماسًا لخطّ العرض 36° كما في الشكل أدناه.

​משמאל: ההיטל של תלמי, אל חרוט המשיק לקו רוחב צפוני יחסית, כפי שנראה בעיגול הצהוב. מימין: ההיטל של מרינוס אל גליל המשיק לקו המשווה | Shutterstock, Emir Kaan
الرّسم التّوضيحيّ 11: من اليسار: إسقاط بطليموس، على المخروط المماس لخطّ عرض شماليّ نسبيّ، كما يظهر في الدّائرة الصّفراء. على اليمين: إسقاط مارينوس إلى الأسطوانة المماسة لخطّ الاستواء | Shutterstock, Emir Kaan 
 

لم تصمد الخريطة الأصليّة التي رسمها بطليموس، إن وُجِدت. يعتقد معظم الباحثين والمؤرّخين اليوم أنَّ بطليموس لم يدرج في الواقع خريطة في كتابه، ولكنّه شرح فقط الطّريقة الرّياضيّة لإعدادها (في الواقع، طريقتان مختلفتان). في الحالتين، أدّت الإسقاطات التي اقترحها إلى تقليل التشوّه حول خطوط العرض الشماليّة المعتدلة إلى حدّ كبير، وأصبحت معيارًا بين الجغرافيين لنحو 1500 عام. يوجد عدد كبير من إصدارات "الخريطة البطلمية" بعدة لغات. على سبيل المثال، الخريطة المرفقة أدناه.

מפת העולם בהיטל שהגדיר תלמי, כפי ששורטטה בספר מהמאה ה-15 | מקור: הירחון המדעי Vestnik
الرّسم التّوضيحيّ 12: خريطة العالم في الإسقاط الذي حدّده بطليموس كما رسمت في كتاب من القرن الخامس عشر | المصدر: العلميّ الشّهريّ Vestnik
 

لا يزال الإسقاط المخروطي مستعملًا حتّى اليوم، لرسم الخرائط في نطاق غير كبير جدًا، الشمالي - الجنوبي. سيؤدّي الابتعاد عن النطاق المستخدم إلى تشويه شديد، لكن عند رسم دولة واحدة، حتّى لو كانت كبيرة مثل الولايات المتّحدة، يكون التّشويه النّاتج ضئيلًا. تستخدم الهيئات الكبيرة في الولايات المتّحدة، مثل هيئة المسح الجيولوجيّ الأمريكيّة United States Geological Survey (واختصاره USGS) أو مكتب الإسكان، بشكل حصريّ تقريبًا بنسخة الإسقاط المخروطيّ، لعرض النتائج على خريطة للولايات المتحدة.

هل من الأفضل أسطوانة أم مخروط؟

من الواضح أنّ بطليموس عرض أفضل إسقاط، كما يتّضح من الشّعبيّة الكبيرة التي اكتسبها في العالم القديم. لكن انظروا كم أنّها أعجوبة، الإسقاط السائد في في العصر الحديث، مركاتور الذي بدأنا الحديث عنه، هو بالضبط إسقاط المخروط. لماذا ومتى من الأفضل استخدام الأول، ومتى الآخر؟

يعدّ مؤشّر تيسو (Tissot Indicatrix) أحد أكثر الطرق استخدامًا للمقارنة بين الإسقاطات. لإنتاج مؤشّر تيسو، أوّلًا، يتمّ رسم دوائر من نفس الحجم والشّكل على الكرة الأرضيّة، عند تقاطعات خطوط الطول والعرض، بالكثافة المرغوبة (كما في الشّكل أدناه على اليمين). في الخطوة التّالية، نستخدم الإسقاط التي اخترناه لتحويل الكرة الأرضيّة إلى خريطة مسطّحة، حيث نأخذ أيضًا الدوائر من الكرة جنبًا إلى جنب مع التّكوينات الجغرافيّة. المؤشّر هو خريطة الدّائرة النّهائيّة التي حصلنا عليها، حيث سيسهِّل شكلها وحجمها في أماكن مختلفة على الخريطة تمييز التّشوّهات.

يوضّح الجزء "ب" من الرّسم أدناه مؤشّر تيسو لإسقاط أسطوانيّ متساوي المستطيلات. يمكن الانتباه لانتقاد بطليموس لهذا الإسقاط الذي كان دقيقًا، لأنّك كلّما ابتعدت عن خطّ الاستواء، تزداد مساحة الدوائر، وتمتدّ أكثر فأكثر إلى الجوانب وتصبح بيضاوية الشكل. يوسّع الإسقاط ويمدّ مسار الخريطة إلى الجوانب كلّما اقتربنا من القطبين.

لا يخلو الإسقاط المخروطيّ أيضًا، على غرار ذلك الذي اقترحه بطليموس (الجزء "ج" في الرسم)، من المشاكل. توضّح دوائر المؤشّر أنّه من ناحية، طالما أنّها في منطقة خطّ العرض الأوسط الذي تمّ تنفيذ الإسقاط، تحافظ الدوائر على اتّساق نسبيّ في شكل الدوائر وحجمها. من ناحية أخرى، إذا انحرفنا عن نطاق خطوط العرض، فإنَّ الإسقاط على المخروط ستشوّه أكثر من الإسقاط على الأسطوانة.

إنَّ التّخلّي عن هوامش الخريطة مقابل زيادة الدّقّة في المنطقة الوسطى، يلائم احتياجات راسمي نطاق محدود من خطوط العرض، مثل بطليموس، ومثل مكتب الإحصاء بالولايات المتحدة. من ناحية أخرى، عندما نرسم نطاق أوسع من خطوط العرض، فإنَّ الرّسم الأسطوانيّ ينشر التشويه بشكل متساوٍ مع ارتفاع الخريطة، ممّا يسمح لنا بالوصول إلى خطوط عرض أعلى أيضًا.


الرّسم التّوضيحيّ 13: يُمكِننا مؤشّر تيسو من مقارنة إسقاط أسطوانيّ (ب) بإسقاط مخروطيّ (ج) ومعرفة درجة التّشويه النّسبيّ في رسم خرائط مناطق مختلفة | ويكيبيديا, Justin Kunimune, Eric Gaba-Sting, Stefan Kühn
 

أفضل إسقاط

افتتح الجغرافيّ الأمريكيّ مارك مونومنيير (Monmonier) كتابه التّعليميّ "كيف تكذب مع الخرائط" بجملة: "الكذب باستخدام الخريطة ليس أمرًا سهلًا فحسب، بل هو ضروري أيضًا. لتقديم عالم معقّد ثلاثي الأبعاد على صفحة مسطّحة، يجب تشويه الواقع". يستمرّ كتاب مونمونيير في إظهار عدد لا يحصى من الأكاذيب والتّشويهات المتعمّدة باستخدام الخرائط، ولكنّه يوضّح أيضًا أنّه حتّى أكثر رسّامي الخرائط حسن النية، لم يتمكّن من نقل الكرة الأرضيّة الكرويّة إلى خريطة مسطّحة بصورة مثاليّة.

تملي الرياضيات أنّه من المستحيل إظهار خريطة بمقياس صحيح، مع أشكال حقيقيّة، واتّجاهات صحيحة وزوايا دقيقة، في نفس الوقت. منذ 200 عام، تمّ إثبات أنّه من المستحيل رياضيًّا، إسقاط سطح كرويّ على سطح مُستَوِي دون تشويهه أو تجعّده. وضع ليونارد أويلر (Euler) الأساس، وبعده نشر كارل فريدريخ جاوس (Gauss) دليلًا فريدًا جدًا، للاسم غير المألوف "مُبرهنة إغريغوم" (Theorema Egregium). يظهر من عملهم أنّه عند إنشاء خريطة، يجب بالضّرورة اختيار حلّ وسط يحافظ على بعض الميِّزات بشكلٍ أفضل، على حساب الميِّزات الأخرى. لذلك تبع مارينوس وبطليموس آلاف المقترحات لإسقاطات مختلفة، كلّ منها يقدّم حلًّا وسطًا مختلفًا بين الميِّزات المرغوبة.

رياضيًّا، هناك أنواع لا حصر لها من الإسقاطات. عمليًّا، هناك مئات من الأنواع قيد الاستخدام حاليًّا، يختار كلّ منها حلّ وسط مختلف من الدّقّة للأشكال، المسافات، الاتّجاهات والزّوايا. حسب تعريفهم، لا يمكن لأيّ إسقاط أنّ يكون "الأفضل" لكلّ احتياج. يوضّح الشّكل أدناه ستّة إسقاطات مصحوبة بمؤشّرات تيسو الخاصّة بهم. كلّ واحد من السّتة ملائم تمامًا لبعض الاحتياجات، وغير ملائم تمامًا في التّطبيقات الأخرى.


الرّسم التوضيحي 14: لكل منهم تشويهٌ. إسقاطات مختلفة | Stab-Werner Map Projection بواسطة Tobias Jung، ويكيبيديا - Strebe ،Justin Kunimune ،Kurubu
 

تمّ إعداد أوّل الإسقاطات، وهو إسقاط فينكل - تريفل، الظّاهر في الرّسم التّوضيحيّ 13، عن طريق أخذ معدّل ​​تقنيات الإسقاطات المختلفة، وبالتّالي فإنَّ كلّ نقطة على الخريطة تعاني من تشوّه معيّن في الحجم،والزّاوية، والمسافة والمساحة، ولكن لا توجد نقطة تعاني من تشوّه كبير. إنّه حلّ وسط ناجح للغاية، بحيث اختارته "الجمعيّة الجغرافيّة الوطنيّة" (National Geographic Society) في سنة 1995م كإسقاط يتمّ رسم خرائط العالم في أطالسها بموجبه. في المقابل، فإنَّ الإسقاط السّمتيّ متساوي البعد يشوّه المساحات والأشكال بشكل جذريّ، لكنّه في المقابل يحافظ على الاتّجاهات والمسافات الدقيقة بالنّسبة لنقطة المنتصف. كما رأينا في الرّسم التّوضيحيّ 6 أعلاه، حيث كانت تل أبيب في الوسط. في هذا الرّسم، تكون نقطة المنتصف هي القطب الشّماليّ، لذا فهي تسمح برؤية المسافات والاتّجاهات إلى القطب بدقّة من أيّ نقطة على الأرض. من ناحية أخرى، يمتدّ القطب الجنوبيّ على كامل محيط الخريطة. هذا الإسقاط، والذي يتواجد القطب الشمالي في مركزه، معروف أيضًا لأنَّ الأمم المتحدة اختارته لعلمها.

במרכז דגל האומות המאוחדות מצויירת מפת העולם בהיטל אזימוטלי שווה-מרחק, הממוקד בקוטב הצפוני | ויקיפדיה, Denelson83, Zscout370 ve Madden
الرّسم التّوضيحيّ 15: في وسط علم الأمم المتحدة، تمّ رسم خريطة العالم بإسقاط السّمتيّ متساوي البعد، المتمركز في القطب الشّماليّ | ويكيبيديا Denelson83 و Zscout370 و Madden
 

لكلّ واحد من الإسقاطات في الرّسم التّوضيحيّ 13 مزاياه الخاصّة. في الإسقاط الظّاهر في الجزء "ج" على سبيل المثال (إسقاط مطرقة إندونيسيا)، يمثّل كلّ طريق مستقيم من نقطة المنتصف إلى أيّ نقطة أخرى أقصر خطّ حتّى في الواقع، وجميع هذه الطّرق متناسبة مع بُعدها الفعليّ. الإسقاط الرابع والخامس متساويا المساحة، بالتّالي فإنَّ جميع دوائر مؤشّرات التيسو الخاصّة بهما متساوية المساحات، في كلّ مكان على الخريطة، حتّى لو كان شكلها مشوّهًا. هذا التّمثيل الدّقيق للمساحة النّسبيّة، لأيّ مكان في العالم، مستخدم بشكل خاصّ لإظهار الظّواهر المكانيّة مثل التّشجير، التّصحُّر، الكثافة السكّانيّة، الموارد الطبيعيّة، وما إلى ذلك.

يُسقِط الإسقاط الأخير، إسقاط ديماكسيون الظّاهر في الجزء "و" من الرّسم التّوضيحيّ 13، سطح الأرض الكرويّ على وجوه مجسّم عشرونيّ الوجوه (إيكوساهيدرون)، وهو شكل ثلاثيّ الأبعاد ذو 20 وجهًا متشابهًا. يوضّح الرّسم المتحرّك أدناه كيف يتمّ ذلك. بعد الإسقاط، يمكن فرد عشرونيّ الوجوه والحصول على خريطة مسطّحة بعدّة طرق، اعتمادًا على الطّريقة التي تختارها لتقسيمه إلى المثلّثات التي تتكوّن منه. في الرّسم التّوضيحيّ والرّسوم المتحرِّكة، تمّ اختيار طريقة يترك فيها جميع القارات سليمة، ويظهر أنّها تشكّل نوعًا من الجسر البرّيّ حول الأرض.

كان من الممكن أيضًا اختيار تقسيم عشرونيّ الوجوه بشكل مختلف، وعرض المحيطات على أنّها متّصلة، أو القطب في المركز وما إلى ذلك. ميزة هذا الإسقاط هي الحدّ الأدنى من التشويه في أي نقطة على سطحه، كما يتّضح من مؤشّر تيسو الخاصّ به. من ناحية أخرى، فإنَّ الخريطة النّاتجة مجزّأة بطريقة تجعل من الصّعب فهم الأبعاد الثلاثيّة، واتّجاهات الوصول من مكان إلى آخر. هل أقصر طريق من نيويورك إلى أوروبا تمرّ عبر مضيق بيرنغ؟ كيف تنتقل من أمريكا الجنوبيّة إلى إفريقية؟ أو من القارّة القطبيّة الجنوبيّة إلى أستراليا؟ من الصّعب جدًّا فهم إسقاط ديماكسيون (إسقاط فولر).

מפת העולם בהיטל דימאקסיון, יצירתו של בקמינסטר פולר (Fuller) | על בסיס האיור של Justin Kunimune, ויקיפידיה
الرّسم التّوضيحيّ 16: خريطة العالم بواسطة إسقاط ديماكسيون، صنيعة بوكمينستر فولر (Fuller) | بناءً على الرّسم التّوضيحيّ لجاستين كونيمون، ويكيبيديا
 

ملك الإسقاطات

على الرّغم من عدم وجود أيّ إسقاط يمكن اعتباره الأفضل، إلّا أنّه لمئات السنين، كان هناك إسقاط أكثر شيوعًا من جميع الإسقاطات الأخرى، على السّفن في القرن السّابع عشر وكذلك في الفصول الدراسيّة في القرن الحادي والعشرين. إسقاط مركاتور المسؤول عن جزء كبير من نظرتنا للعالم، والذي يجعل من الصعب جدًّا على الشّخص العاديّ الإجابة بشكل صحيح على الأسئلة الخمسة في بداية هذه المقالة. من أين أتى هذا الإسقاط، ولماذا أصبح مهيمنًا؟

كما رأينا، كان انتقاد بطليموس لإسقاط مارينوس متساوي المستطيلات بأنّه يتشوّه كلّما ابتعدنا عن خطّ الاستواء (الرسم التوضيحي 8). لكن في نهاية العصور الوسطى، مع بداية عصر الرّحلات الكبرى، تحوَّل الإسقاط البديل التي قدّمه بطليموس أيضًا الى غير كافٍ. كان هذا الإسقاط المخروطيّ مفيدًا لرسم خرائط لعالم لا يبتعد كثيرًا عن خطّ العرض 36°، ولكنّه كان أقلّ ملاءَمةً للكرة الأرضيّة، الذي انكشف بشكل متزايد للعيون الأوروبيّة في القرن السّادس عشر. كان من الضروريّ إيجاد خريطة للعالم تسمح بمزيد من الملاحة الموثوق بها، في أجزاء كبيرة من العالم.

حدثت الثّورة سنة 1569م، بخريطة نشرها الهولنديّ جيرهارد كرامر. استندت الخريطة إلى نفس الإسقاط الأسطوانيّ لمارينوس، ولكن مع إضافة تصحيح حاسم. وفق الإسقاط متساوي المستطيلات، كما نتذكّر، يتمّ تمديد الخريطة بشكل جانبيّ، بينما تتحرّك بعيدًا نحو القطبين. كرامر، الذي وقّع على الخريطة باسمه التّجاريّ المثير للإعجاب جيراردوس مركاتور "Gerardus Mercato"، فهم القانونيّة الرياضيّة لهذا المدّ (نتاج دالّة مثلثيّة معينة، المَوْجة الجَيْبِيّة، الفاعلة على خطّ العرض)، وبالتّالي فهم أيضًا كيف يمكن تصحيح تشويه الأشكال.

قرَّر مركاتور شَدّ الخريطة بشكل مصطنع إلى الارتفاع، تمامًا وفقًا للقانونية نفسها التي يمتد فيها الإسقاط على العرض. قد تنتفخ الأجسام الموجودة على الخريطة عندما نقترب من القطبين، ولكن بنفس النّسبة بالعرض والارتفاع، وسنحافظ على شكلهم الأصليّ. تظهر النّتيجة في الخريطة أدناه.

بدلًا من أنّ تكون المستطيلات التي تشكلّها خطوط الطول والعرض متساوية في الحجم في كلّ مكان، كما هو الحال في ارتفاع مارينوس الكلاسيكيّ، مدّ مركاتور هذه المستطيلات نحو الارتفاع كلّما ابتعد عن خطّ الاستواء. نظرًا لأنّه قام بمدّها إلى الارتفاع تمامًا، بنفس القدر الذي يشوّهها الإسقاط بشكل جانبيّ، فإنَّ النّتيجة التي تمّ الحصول عليها هي إسقاط يحافظ على جميع الزوايا، أو بالتّعريف الرّياضيّ - "إسقاط متماثل". يتمّ الاحتفاظ بالزّاويا بين أيّ خطيْن على سطح الكرة الأرضيّة أو الطرق على سبيل المثال أو الحدود، حتّى بعد إسقاطها على خريطة ماركاتور.

إحدى نتائج الحفاظ على الزّوايا هي الحفاظ على الأشكال المحلّيّة. على الرغم من عدم الحفاظ على المقياس، الذي يزداد كلّما اقتربنا من القطبيْن، لكن سيتمّ الحفاظ على الأشكال. تبدو جرينلاند على سبيل المثال كبيرة جدًّا مقارنةً بالتّكوينات الأكثر استوائيّةً، لكنّها تحافظ على شكلها، وتظهر على الخريطة تمامًا كما تبدو من الفضاء. يتّضح هذا من مؤشّر تيسو في القسم "ب" في الشّكل أدناه. قد تنتفخ الدّوائر كلّما ابتعدنا عن خطّ الاستواء، لكنّها تحافظ على شكلها الدّائريّ. في الجزء "ج"، يمكنك رؤية ثمن الحفاظ على الأشكال: بين خطّ الاستواء وخطّ العرض 70°، يزداد المقياس 3.2 مرة، وعند خطّ عرض 80° يكون بالفعل أكبر بمقدار 6.4 مرة.


الرّسم التّوضيحيّ 17: أكثر شيوعًا مقارنة بالآخرين لمئات السنين. إسقاط مركاتور: أ. خريطة، ب. مؤشّر تيسو ج. مقياس كدالّة لخطّ العرض | ويكيبيديا، Strebe, Justin Kunimune, DMA 
 

كانت النّتيجة الأكثر أهمّيّة للإسقاط من وجهة نظر البحّارة، إضافة للحفاظ على الأشكال، هي الحفاظ على الزّوايا. لا يمكن المبالغة في مدى أهمّيّة مثل هذه الخريطة للملّاحين في ذلك الوقت، حيث يشكّل الخطّ الفاصل بين أيّ نقطتيْن على الخريطة نفس الزّاوية مع الشّمال كما تظهر البوصلة في العالم الحقيقيّ، عندما تريد الانتقال من نقطة إلى أخرى. سمحت الخريطة الجديدة للبحّارة بقياس الزّاوية على الخريطة من موقعهم إلى هدفهم، ثمّ الإبحار في هذا الاتّجاه، مع تثبيت البوصلة بالكامل في الزاوية التي أشارت إليها الخريطة. ثورة حقيقيّة نسبةً للتّصحيحات المستمرّة المطلوبة من البحّارة للمسار حتّى ذلك الحين، خلال استخدام التّضاريس مثل الجزر والسّواحل.

يسمّى خطّ الإبحار هذا، في اتّجاه بوصلة ثابتة، بخطّ الاتّجاه الثّابت (loxodrome)، ويظهر على خرائط إسقاط مركاتور كخطّ مستقيم. لا تعتبر خطوط الاتّجاه الثّابت، على الرّغم من ظهورها كخطوط مستقيمة، أقصر الخطوط في الواقع ثلاثيّ الأبعاد، كما هو موضّح جيّدًا أعلاه، في الخريطتين 3 و 7. كانت هذه الحقيقة معروفة جيّدًا، استمرّت الرّحلات لعدّة قرون على طول خطوط الاتّجاه الثابت حلمًا لكل بحار.

في مسافات الإبحار القصيرة نسبيًا، التي تصل إلى بضع مئات من الكيلومترات، فإنَّ خطّ الاتّجاه الثّابت يكاد يكون مطابقًا لأقصر خطّ على أيّ حال. وحتّى في مسافات الإبحار الأطول، حيث يطيل خطّ الاتّجاه الثّابت الطّريق بشكل كبير، فضَّل الملاح اليقين بالسّفر في اتّجاه ثابت على محاولة الوصول في وقت أقصر، مع المخاطرة بإمكانيّة إضاعة الطّريق. كان الإبحار بزاوية بوصلة ثابتة ممكنًا وموثوقًا وأكثر دقّة، بكثير من المسار الذي يتطلّب تصحيحات لا تتوقّف للمسار.

مع ظهوره، سبق إسقاط مركاتور زمنه بِـ 200 عام تقريبًا، وذلك بسبب المعرفة المحدودة في القرن السّادس عشر للفرق بين الشّمال الجغرافيّ والشّمال المغناطيسيّ، ولأنَّ السّاعات البحريّة لم يتمّ اختراعها بعد لتمكين الملّاحين من تحديد خطّ الطول. حتّى في القرنين السّادس عشر والسّابع عشر، كان إسقاط مركاتور شائعًا بالفعل، ولكن عندما اكتملت هاتين الثّغرتيْن المعرفيتين، في منتصف القرن الثامن عشر، أصبح معيارًا شبه مطلق في مجالات الملاحة، التّجارة والتّعليم.

صعوده، سقوطه وقيامه

في المائة والخمسين عامًا الماضية، كانت هناك انتقادات قاسية بشكل متزايد على إسقاط مركاتور من قبل الجغرافيين ورسّامي الخرائط. لم يمنع عرض المناطق القطبيّة على الخرائط بسبب تضخّم المقياس في خطوط العرض العليا فقط، ولكن أيضًا القارّات المعروفة، وخاصّة في نصف الكرة الشّماليّ، عانت من التشوّهات. لحسن الحظّ، وفي العصر الجيولوجيّ الذي نعيش فيه، تتركّز معظم كتلة اليابسة على الأرض في خطوط العرض الشماليّة، وحتّى خطوط العرض الشماليّة العالية. لهذا السبب، يزيد إسقاط مركاتور بشكل مصطنع من حجم أوروبا وشمال آسيا وأمريكا الشمالية مقارنةً بإفريقية، وكذلك أمريكا الجنوبيّة والوسطى، الأقرب إلى خطّ الاستواء.

في العقود الأخيرة، بدأت نظريات المؤامرة في الظّهور. تدّعي هذه النظريات أنَّ الدول الغربيّة الاستعماريّة الأكثر شماليّة، اختارت استخدام هذا الإسقاط على وجه التّحديد، لأنّها تظهرها على أنّها أكبر مقارنةً بمستعمراتها الأكثر استوائيّة. أسهمت حملة إعلاميّة وسياسيّة مثيرة للجدل، من قبل شخصية إعلاميّة وصانع أفلام ألمانيّ يدعى أرنو بيترز (Peters) في زيادة شعبيّة هذا الخطّ الفكريّ. بدأ بيترز في السبعينيّات من القرن العشرين في الادّعاء بأنَّ الإسقاط الذي طوّره بنفسه هو الحلّ، لأنّه "إسقاط المساحات المتساوية الوحيد"، والذي أيضًا "لا يحوي أيّ تشوهات" وهي "متوافقة تمامًا". ادّعى بيترز بأنّه تمّ رفض إسقاطه، بالرّغم من مزاياه، بسبب مصالح خفية على ما يبدو.

عمليًّا، كانت تصريحات بيترز حول الإسقاط الذي اقترحه مثيرة للجدل، على أقلّ تقدير: إنّه بالفعل متساوي المساحات، ولكن هناك أيضًا العديد من الإسقاطات الأخرى المشابهة؛ إنّه غير متماثل تمامًا؛ ويشوّه بشكل كبير شكل البلدان التي ليست في خطوط العرض المعتدلة، حتّى لو حافظ على مساحتها. انظروا على سبيل المثال إلى أشكال جرينلاند وأستراليا في الخريطة أدناه، وحتّى أمريكا الجنوبيّة أو إفريقية الاستوائيّة. على عكس ادّعاءاته، لم يخترع بيترز الإسقاط أبدًا. في الواقع، رسمها رسّام خرائط اسكتلندي يدعى جيمس غال (Gall)، وقدّمها في محاضراته ونشر مقالًا عنها في وقت مبكّر من سنة 1885م.

היטל גאל-פיטרס | ויקיפדיה, Strebe
الرّسم التّوضيحيّ 18: شكل غير متماثل تمامًا ومشوّه جدًّا في دول معيّنة. إسقاط غال-بيترز | ويكيبيديا، Strebe
 

لاقت ادعاءات بيترز أرضًا خصبة، لأنَّ سلبيّات إسقاط مركاتور كانت واضحة بالفعل. تمّت مناقشة هذه السّلبيات على نطاق واسع في مجتمع رسم الخرائط، قبل فترة طويلة من بيترز، وأدَّت على مرّ السّنين إلى تطوير عدد غير قليل من البدائل، والّتي عرضنا بعضها هنا. لم تكن هناك حاجة لإدخال المؤامرات الاستعماريّة في الصّورة، ولكن بعد ذلك، نعم اليوم، من الصّعب جعل صوت الواقع المعقّد مسموعًا مقابل رواية "الأبيض والأسود" مدعومة بالدعاية المكثّفة، والاجتماعات مع السياسيّين والمنظمات، والرّسائل التي نجحت حتّى في دخول المسلسل التلفزيونيّ "الجناح الغربيّ" (The West Wing) الذي حظي بشعبيّة كبيرة.

حقّق بيترز نجاحًا معيّنًا في التّرويج لإسقاطه أمام منظّمات مثل اتّحاد الكنائس في الولايات المتحدة، المدارس في بريطانيا وفي بعض الولايات الأمريكيّة، حتّى أنّهم استبدلوا خرائط المواد التّعليميّة بالإسقاط المعروف اليوم باسم "غال-بيترز". بالرّغم من ذلك، فقد أصبح في الغالب على مرّ السّنين حكاية تاريخيّة، حتّى لو كانت مشحونة.

حتّى قبل بيترز، بدأ تراجع إسقاط مركاتور عن عظمته التّاريخيّة. كان سبب اعتبارها مستخدمة للغاية في حينه، منذ القرن السّادس عشر وما بعده هو تماثلها في الحفاظ على الزوايا. أتاحت خريطة بمثل هذا الإسقاط للملّاحين الحفاظ على اتّجاه بوصلة ثابت طوال الطّريق، والإبحار على طول خطّ الاتّجاه الثّابت. كانت هذه ميزة كبيرة في عالم يصعب التنقّل فيه، ولكن طوال النّصف الثّاني من القرن العشرين، أدّى التّحسين في وسائل الملاحة بالفعل إلى جعل الحاجة إليها غير ضروريّة.

لماذا يعتبر التّحرّك على طول خطّ الاتّجاه الثّابت غير فعّال، إذا كان يمكنك التّنقّل على طول خطوط أقصر؟ انتقلت النّشرات تدريجيًّا إلى استخدام إسقاطات أخرى في أطالسهم، وانتقلت هيئات مثل الجمعيّة الجغرافيّة، معاهد البحث، المؤسّسات التّعليميّة ووكالات الأمم المتّحدة وغيرها إلى استخدام إسقاطات أكثر استخدامًا. بدى "الإسقاط الكَهِل" الذي احتفل بعيد ميلاده الـ 450، في طريقه إلى الاختفاء. في بداية الألفيّة الحاليّة، كان الأمر لا يزال شائعًا (وزارة التّربية تستخدمه حتّى يومنا هذا)، لكنّ دالّة الهبوط كانت واضحة.

גרארדוס מרקטור, 1594-1512 | ויקיפדיה, MichaelSchoenitzer
الرّسم التّوضيحيّ 19: حافظ على الزّوايا، دون اعتبارات سياسيّة. جيراردوس مركاتور، 1512-1594| ويكيبيديا، MichaelSchoenitzer

 

وبذلك، في السّنوات الـ 17 الماضية، انعكس القدر، وعاد إسقاط مركاتور ليصبح أكثر هيمنةً من أيّ وقت مضى، في جميع أنحاء العالم. في الواقع، نستخدمه معظمنا كلّ يوم دون معرفة ذلك.

حدث التّحوّل في سنة 2005م، عندما تبنَّته جوجل لتطبيق خرائط Google الذي اشترته عام قبل ذلك. أصبح التّطبيق شائعًا بسرعة كبيرة، وكذلك فعل منافسوها الذين تبنّوا جميعًا الإسقاط الذي استخدموه. كان إسقاط مركاتور مناسب لتطبيقات الخرائط المحلّيّة، بسبب حفاظه على الأشكال والزّوايا. لا تنعكس التّشوّهات السّطحيّة التي تميّز الإسقاطات على الخرائط واسعة النّطاق، طالما أنَّ الخريطة على مستوى الشارع والمدينة، وهو المقياس الذي تعمل به تطبيقات الملاحة عادةً. في سنة 2018م قامت جوجل بتحديث التّطبيق، ومَكَّنت من تصغير (Zoom out) المقياس بشكلٍ كبير، عندما تتغيّر الخريطة بعد ذلك من إسقاط مركاتور إلى نموذج ثلاثيّ الأبعاد للكرة الأرضيّة، لتجنّب التشويه في خطوط العرض العالية. بهذه الطريقة يمكنك الإبتعاد عن الخريطة إلى نقطة تمكن مشاهدة الأرض بأكملها.

ربّما كان جيراردوس مركاتور قد يستصعب في سنة 1569م التخيّل بأنَّ يقوم مواطني المستقبل حمل خريطة تسمح بتغيير ديناميكي في المقياس، من مستوى منزل واحد إلى مستوى الكوكب بأكمله. من المحتمل أيضًا أنّه لم يتخيّل أنَّ تأثير الخرائط التي رسمها سيكون كبيرًا جدًّا، لدرجة أنّه بعد 450 عامًا من وفاته، ما زالوا يعتقدون أنّه يمكن الإبحار في خطّ مستقيم من نيويورك إلى أوروبّا، ولكن إلى أستراليا، فلا.

 

0 تعليقات